dimanche 10 juillet 2016

متى يتحرر الأساتذة الجامعيون من عقدهم النفسية وعصبياتهم ليؤدوا رسالتهم في المجتمع؟


الدكتور خالد عبد السلام قسم علم النفس جامعة محمد اليمين دباغين سطيف2
كثيرا ما يشتكي الكثير من الأساتذة الجامعيين في كل الجامعات الوطن من كل أشكال الظلم أو (الحُقرة) و العنف النفسي و المعنوي الذي يُمارس عليهم من قبل الإدارات والهيئات الجامعية على مستوى الأقسام او الكليات او على مستوى مديريات الجامعة. والكثير منهم يتناقلون مختلف الأخبار والممارسات والقصص التي تحدث هنا وهناك، حتى أصبحت أحاديثهم اليومية في كل جلساتهم الخاصة. لكننا لو حاولنا مقاربة الموضوع من زاوية أخرى، سنكتشف أن الذي يُهين الأستاذ الجامعي ويقلل من مكانته وقيمته هو الأستاذ نفسه، من خلال ممارسات وتصرفات الكثيرين في كل المستويات. و نقول بصراحة أليس الكثير منا إن لم نقل غالبيتنا انخرطوا في ثقافة المصالح الشخصية والامتيازات الريعية الانية ذات العلاقة بالترقيات العلمية والإدارية والتربصات العلمية بالخارج وغيرها؟ ألا نلاحظ ان الكثيرين منا قد جعلوا أنفسهم يخدمون عصبا وتكتلات وفئات معينة ويتصرفون بمنطق تصفية الحسابات والانتقام في كل مناسبة يقع أي طرق بين أيدي الطرف الاخر على حساب الأدوار الريادية والرسالية في الجامعة والمجتمع؟ ألا نلاحظ أن الكثير منا يستسلم ويسكت عن كل التجاوزات الإدارية والقانونية التي تحدث في كل الهيئات العلمية والإدارية، والتي كثيرا ما أثرت على مصداقيتنا نحن كأساتذة و على مصداقية الفعل البيداغوجية والبحثي وعلى مصداقية الشهادات الجامعية وسمعة الجامعة نفسها؟ ألا نلاحظ أن الكثير منا قد سمح لكل من هب ودب بالتدخل في مهامه و صلاحياته وأدواره العلمية و البيداغوجية والبحثية في الجامعة سواء كانوا موظفين أو أعوان أمن أو إداريين أو مواطنين من الشارع ؟ ألا نلاحظ مثلا في نهاية كل سداسي وفي كل نهاية سنة الكثير الأساتذة الجامعيين يستجيبون لرغبات وطلبات زملائهم و طلبات الإداريين والموظفين والعمال والتجار وغيرهم بتقديم نقاط عشوائية لأبنائهم وجيرانهم او أبناء أصدقائهم من الطلبة والطالبات، بعضهم لا يحضر إلى الجامعة أصلا، والبعض الاخر ألف النجاح بالتدخلات والوساطات في كل مسارهم الدراسي والجامعي؟ ألا نلاحظ لجوء بعض الأساتذة إلى الإدارة لتعديل وتضخيم النقاط بعد طلبات وردت إليهم دون حياء ولا روح مسؤولية؟ ألا نلاحظ الكثيرين من الأساتذة لا يسجلون غيابات الطلبة التي ينص عليها القانون الداخلي للجامعة والقرارات الوزارية لا سيما القرار رقم 711 المؤرخ في 03 نوفمبر 2011، ولا يحسبونها و البعض لا يبالي بها أصلا حتى لا يحرجه أصدقائه أو جيرانه أو أناس آخرين؟ ألا نلاحظ أن الكثير منا يتساهلون أو يسكتون عن الغش في الامتحانات والسرقات العلمية لأعمال يشرفون عليها ولا يطلعون عليها ولا يراجعونها إن كانت من جهد و عمل الطلبة أم هي أعمال مسروقة؟ ألا نلاحظ تهافت الكثير من الأساتذة على احتكار الاشراف على عدد كبير من المذكرات دون قدرتهم على متابعتها وتصحيحها فيتركون الطلبة يفعلون ما يشاؤون فيها (نقل حرفي خلط للمعلومات وتزوير وتلفيق لبعضها الآخر)؟ ألا نلاحظ الكثير من الأساتذة يقبلون ان توضع أسماءهم على مذكرات ليسانس أو ماستر أو ماجستير او دكتوراه وهي مسروقة من الانترنيت ولا يتحرجون من ذلك؟ ألا يوجد فينا من يبرر السرقات العلمية ويدافع عنها بدعوى أن الجميع يسرق ويغش؟ ألا نلاحظ أن الكثير منا يعمل على أقصاء زملائه الاخرين في الاشراف والمناقشة والتدريس لا لشيء إلا من اجل الانتقام منهم عن موقف صدر منهم لم يعجبهم أو أنهم يختلفون معهم في التفكير أو يرفضون الانخراط في عصابتهم؟ ألا نلاحظ أن الكثير من الأساتذة يناقشون في اليوم الواحد أكثر من سبعة مذكرات تخرج في الماستر بطريقة ماراطونية ويتنقلون من قاعة إلى أخرى دون أن ينتبه أن ذلك تكريس للرداءة العلمية؟ ألا نلاحظ أن الكثير من مذكرات الماستر تناقش في وقت قد لا يتجاوز 20 أو30 دقيقة للواحدة؟ ألا نلاحظ الكثير من زملائنا تسلم لهم مذكرات الماستر في نفس اليوم الذي تناقش فيه بدقائق فقط ويقبل بمناقشتها دون الاطلاع على محتواها دون أخلاقيات مهنية؟ ألا نلاحظ ان الكثير من زملائنا الأساتذة يقدمون نفس النقاط لكل الطلبة في كل الأعمال التي يناقشونها الغث والسمين والمسروق دون معايير علمية؟ ألا نلاحظ الكثير من الأساتذة يقيمون مذكرات الليسانس بوضع أعلى علامة في كل الأعمال دون الاطلاع عليها؟ ألا نلاحظ أن مثل هذه التصرفات تسيء إلى الأساتذة أنفسهم وإلى رتبهم العلمية أكثر ما تشرفهم؟ ألا نلاحظ الكثير من الأساتذة الذين يتهاونون أو يقصرون في مهامهم وواجباتهم البيداغوجية بالغيابات المتكررة أو بالتحايل في أحيان أخرى، و عندما تقدم لهم الاستفسارات او تخصمن الايام من اجورهم نجدهم يفقدون توازنهم ويقيمون الدنيا ولا يقعدونها بالشكاوي والرسال المجهولة دون خجل و لا استحياء؟ ماذا نقول عن الكثير من الأساتذة الذين يقبلون أن تمارس عليهم كل أشكال الابتزاز سواء في نشر المقالات أو عند المشاركة في الملتقيات بإضافة أسماء من يبتزوهم من زملائهم الإداريين دون وجه حق ودون أن يشاركوا فعليا في إنجازها لا من قريب ولا من بعيد؟ وماذا نقول عن الكثير من الأساتذة الذين يتصلون بطلبتهم في الماستر او الدكتوراه او بزملاء لهم بإضافة أسماءهم ضمن مقالاتهم او مداخلاتهم في الملتقيات الوطنية والدولية لا لشيء إلا من اجل الحصول على شهادات المشاركة او الحصول على مقالات قصد توظيفها في الترقية أو في الترشح للحصول على منحة التربص قصية المدى؟ أليس كل ذلك غش وتزوير وتلفيق لمسيرتهم العلمية؟ فماذا نقول عن الكثير من الأساتذة الجامعيين الذين يتوددون إلى المسؤولين لربح رضاهم ونيل تزكيتهم لهم عن طريق الوشاية والنميمة والتجسس على زملائهم بنقل كل انتقاداتهم لهم حول أساليب التسيير الاداري البيداغوجي والعلمي؟ وماذا نقول عن بعض الأساتذة الذين كلفوا بمسؤوليات في الجامعة او الكلية يفتخرون بتعيينهم ليس لأنهم الأكفأ والأجدر في التسيير بل لأنهم أُولادْ لَبْلادْ أو أنهم من أعيان المدينة الذين يحق لهم تقلد المناصب العليا و المسؤوليات وكأن غيرهم العاملين معهم ليسوا جزائريين مثلهم؟ وماذا نقول عن مشاركة الكثير من الأساتذة الجامعيين في اللجان والمجالس العلمية والادارية و البيداغوجية و يحتلون مناصب فيها كأعضاء لتسجيلها في سيرتهم الذاتية لكنهم يمارسون مهمة الصمت ثم الصمت و تجنب النقاش والنقد و تقديم الملاحظات، ولا يرفضون و لا يناقشون أي قرار جائر او موقف مخالف للقانون او يتضمن ازدواجية المعايير؟ وماذا نقول عندما نجد أساتذة جامعيين وذوي رتب عالية يشكلون تكتلات وتحالفات فئوية وجهوية وإيديولوجية أو تخصصية ضد زملاء لهم ذنبهم انهم من مناطق أخرى او يدرسون في تخصصات علمية أخرى يكرهونها كرها شديدا؟ وماذا نقول عندما نجد أساتذة في مناصب المسؤولية الإدارية يبتزون زملائهم بكل شيء ويفرضون عليهم الوصاية على اختياراتهم في انتخابات الهيئات العلمية؟ وماذا نقول عندما نجد من يقبل أن تمارس عليه الوصاية والتصرف بما يملى عليه عكس رغبته واختياره؟ وماذا نقول عندما نجد مسؤولين يتابعون سير الأقسام أو الكليات أو الجامعات ليس عن طريق مجالسها وهيئاتها الإدارية والعلمية والبيداغوجية المخولة قانونا، بل بتكليف أساتذة أو ممثلي الطلبة أو أعوان الإدارة والأمن للتجسس على غيرهم من الأساتذة داخل الأقسام و في المدرجات أو في الكواليس و يضربون بذلك عرض الحائط بكل القيم الانسانية و أخلاقيات المهنة الجامعية؟ وماذا ننتظر من أساتذة اهتماماتهم اليومية هي الانشغال بعورات وأعراض غيرهم في كل مجالسهم و أحاديثهم الخاصة، ويفتخرون بمثل هذه الممارسات، أين يقدمون صكوك الغفران لفلان وعلان وصكوك الغضب والعقاب لآخرين؟ والعجيب في الأمر أن الكثير من مثل هؤلاء يدعون بالدين والأخلاق والإسلام وغيرها من الشعارات والأقنعة. وماذا نقول عندما تجد من الأساتذة الجامعيين من يسيطر على تفكيره ومعاملاته لزملائه الأفكار و الأحكام المسبقة والوساوس والصور النمطية السلبية التي يكونها عبر الوشاية والنميمة والغيبة؟ وماذا نقول عن أساتذة في المجالس العلمية و الإدارية والبيداغوجية يتواصلون بالسب والشتم والكلمات النابية والبذيئة وفي أحيان أخرى بالعضلات، بدل التواصل والحوار بالأفكار والحجج والبراهين العلمية والمنطقية، لا لشيء إلا لأن الكثيرين منا لا يستطيعون قبول الاختلاف والتنوع في الرأي ولا يحترمون مواقف و قناعات غيرهم الذي يرون بطريقة مخالفة لهم؟ وما نقول عندما نجد مسؤولين إداريين من الأساتذة لا يحترمون تقارير وقرارات واقتراحات الهيئات العلمية والادارية والبيداغجية المخولة قانونا لمهمة المتابعة والتقييم ويتجاوزونها، لتلبية رغبات ومصالح شخصية وفئوية معينة أو يستجيبون لضغوط الشارع حتى ولو كان أمرا غير قانوني ولا منطقي ولا علمي، أو كان أمرا يسئ لسمعة وهيبة الجامعة نفسها؟ وماذا نقول عن بعض الأساتذة الذين يشخصنون مشاريع التكوين والبحث والمخابر ويتصرفون فيها كملكيات خاصة أين يقصون من يشاؤون ويقبلون فيها من يريدون؟ وماذا نقول عن زملاء لنا يمارسون الوصاية على غيرهم، ويحددون لهم من يصاحبون ومن يعادون وكيف يتصرفون مع الآخرين، ونجد من زملائنا من يقبل بذلك دون خجل؟ وماذا نقول عن الكثيرين الذين يُعادون غيرهم ليس لأنهم أخطأوا معهم بل لأنهم يتعاملون مع من يكرهونهم أو لأنهم يختلفون معهم في طريقة التفكير والفهم؟ ونتساءل كيف لمثل هؤلاء الأساتذة الذين يمارس عليهم هذا النوع من الإرهاب الفكري والإذلال ويقبلون بلعب أدوار العبيد ويستسلمون لكل ما يملى عليهم أن نتّكل عليهم في أداء أدوار ريادية أو يخدموا رسالة الجامعة؟ وهل يمكن لمثل هذا النوع من الشخصيات أن يمارسوا حريتهم الأكاديمية وكرامتهم الإنسانية؟ فكل الوضعيات التي ذكرناها تعبر عن عدم السواء في شخصية الكثيرين منا، و عن عدم النضج النفسي والاجتماعي والمهني. وهي تشير إلى أعراض للعقد النفسية التي يعاني منها الكثيرين دون إدراكهم أنهم كذلك. كما تشير إلى ان تصرفات الكثيرين توجهها نزواتهم النرجسية والمرضية والعدوانية، أكثر ما توجهها رسالتهم في الجامعة والمجتمع. وقد تعبر أيضا على اننا تجردنا من مستوانا العلمي ومن كل معارفنا العلمية، ونقلنا إلى الجامعة كل مساوئ المجتمع ومظاهر التخلف التي نعيشها في محيطنا الاجتماعي والأسري، بدل أن ننقل إلى المجتمع القيم الإيجابية والنظرة العلمية للحياة. يعني أصبح منطق الشارع هو الذي يتحكم في تفكرينا وتصرفاتنا داخل الجامعة، ولم تفدنا العلوم والمعارف التي تعلمناها ونُعلمها للطلبة. وهي تؤكد أننا كثيرا ما نتصرف تحت ضغط عقدنا ونزواتنا السادية وانفعالاتنا و عواطفنا وتحت تأثير ثقافة الانتقام أكثر ما نتصرف تحت تأثير الواجب المهني و أخلاقيات المهنة أو بما تمليه علينا رسالتنا في الحياة وأدوارنا كنخبة مستنيرة في المجتمع. إذن نستخلص أن المسؤولون في الإدارات الجامعية هم أساتذة جامعيون كانوا يوما ما ضحايا لممارسات الذين سبقوهم وكانوا من الذين تذمروا منها واحتجوا ضدها يوما ما. ولكن للأسف الشديد أصبحوا اليوم هم أبطالها وصناعها بعد ما تولوا المسؤولية فيها وتقمصوا نفس الادوار.
كما أن الذين يقومون بالتعسف والعنف المعنوي والنفسي والإداري هم أيضا أساتذة وأعضاء في الهيئات العلمية والادارية والبيداغوجية للجامعة. فإذا كانوا يقومون بكل تلك الممارسات السلبية ضد زملائهم الأساتذة فإنهم يعتدون على أنفسهم وعلى كرامتهم هم أيضا. وبالتالي فالأستاذ عندما يحتقر زميله الأستاذ ويستهزئ به أو يذله معناه يحتقر ويذل نفسه لان القاعدة السيكولوجية تقول: "أن الانسان الذي يحتقر ويستهزئ أو لا يحترم الآخرين، فهو يعترف ضمنيا ولا شعوريا أنه يقبل أن يمارس عليه الإذلال". و ينسى الكثيرين من هؤلاء أن " تلك الآيام نداولها بين الناس" كما يقول الله تعالى في محكم التنزيل، فمثل هؤلاء المسؤولين سيتحولون يوما ما إلى مناصبهم الأصلية كأساتذة عاديين ويتولى من كان ضحية لعنفهم وتعسفهم وتجاوزاتهم إلى مسؤول عليهم، لذلك نسألهم إن كانوا يقبلون أن يمارس عليهم ما كانوا يمارسونه على غيرهم؟
فعلينا ان نغير ما في أنفسنا أولا من عقد و أحقاد وخلفيات و أحكام مسبقة، إذا أردنا ان يتغير غيرنا و من حولنا. أما أن نطالب بتغيير العالم و تغيير الآخرين دون أن نغير نحن ما في أنفسنا من قابلية للذل والهوان ومن حساسيات فكرية تخصصية و قبلية وعرقية وعشائرية ومهنية فذلك لن يغير من الواقع شيئا.
إذن عندما نحترم أنفسنا بأداء مهامنا و أدوارنا و نمارس حريتنا الأكاديمية بمسؤولية وبصراحة وجرأة عالية بعيدا عن الانفعالات وردود الأفعال، وبعيدا عن ثقافة الانتقام، وعندما نحترم بعضنا البعض كأساتذة، و نتصرف بمستوى راق من السلوك والتفكير الذي يليق بمقامنا، ونتقبل الاختلاف و التنوع الفكري والايديولوجي مع اقتناعنا بتكامل بعضنا البعض و ضرورة التعاون فيما بيننا، فإننا نكون قد وضنا خطواتنا الأولى في اكتساب مهارة فن العيش معا في ظل أسرة علمية واحدة، كأساتذة في كل المستويات سواء كنا مسؤولين او غير مسؤولين في الادارة او خارجها، ونكون قد تعلمنا فن التحضر وعلى ضوئها سيحترمنا الجميع. لأننا نكون قد قدمنا للآخرين نموذجا راقيا في السلوك والأخلاق والتفاني والالتزام المهني.
زملائي زميلاتي الأساتذة كم نحن في امس الحاجة إلى تجاوز حساسياتنا وعقدنا وانفعالاتنا واندفاعاتنا ومصالحنا الشخصية الضيقة. وكم نحن في حاجة لأن نكون أكثر نضجا وأكثر رزانة وأكثر حكمة وموضوعية، نرقى بتفكيرنا ومواقفنا وتصرفاتنا اتجاه أنفسنا واتجاه بعضنا البعض واتجاه غيرنا واتجاه المؤسسة الجامعية التي نعمل فيها، لنبرهن للتاريخ أننا فعلا نخبة المجتمع و حاملي رسالة في الحياة.
للمناقشة والنقد والاثراء سطيف في 16 جوان 2016 الدكتر خالد عبد السلام قسم علم النفس جامعة سطيف2

أي خير ننتظره من أمة تفرح للغش في الامتحانات وتشجع على ممارسته.

  الدكتور خالد عبد السلام قسم علم النفس جامعة سطيف2
عندما نقرأ حديث الرسول صلى الله عليه وسلم "من غشنا فليس منا" نفهم بشكل واضح وصريح أن الغش والخداع والتحايل في كل مجالات الحياة أمرا مرفوضا ومستهجنا بل ومحرما في الاسلام. و نفهم أيضا أن من يمارسه أو يفرح به او يشجع عليه لا يقبل أن يكون ضمن جماعة المسلمين. لأن ذلك يتناقض مع ملمح وصفات المسلم الذي يفترض أن يكون أكثر الناس جدية وأكثرهم أمانة وصدقا في عمله و علاقاته ومعاملاته. لأن الغش لغة واصطلاحا، حسب المناوي في كتابه التوقيف على مهمات التعاريف ص 252 يعني " كل ما يخلط من الرَّديء بالجِّيد" ويعني أيضا في كتاب لسان العرب: "عدم النصح والخداع" والذي يفترض محاربة كل مظاهره وأشكاله في المجتمعات الإسلامية أكثر من غيرها لاعتبارات دينية وأخلاقية.
   لكن عندما نجد أسئلة البكالوريا خلال فضيحة تسريبها في دورة جوان 2016 توزع في الأسواق والمقاهي والشوارع وترسل إلى البيوت عبر الهاتف النقال والبريد الالكتروني وعن طريق وسائط التواصل الاجتماعي مجانا، و نجد كل الناس تفرح وتبتهج (أولياء ومربين ومسؤولين وعامة الناس) ويتباهون أمام جيرانهم وأصدقائهم بحصولهم على أسئلة البكالوريا والأجوبة النموذجية ويتفاعلون مع الحدث وكأنهم حققوا إنجازا و انتصارا عظيما، و ضمنوا النصر والنجاح والتفوق لأبنائهم، عندها نطرح أكثر من سؤال حول ماذا بقي من شهامة و مسؤولية ومن قيم أخلاقية ومهنية فينا؟ ونتساءل ماذا بقي من دور ورسالة لمؤسسات التنشئة الاجتماعية لا سيما مدراسنا وجامعاتنا؟ وماذا بقي من مصداقية ونزاهة في عمليات التقويم التربوي في كل مؤسساتنا التعليمية؟ مادام الجميع يلهث ويتهافت على الحصول على المزيد من التسهيلات و المزيد من التواطؤ في ممارسة الغش لصالح أبنائهم. و ما دام لا أحد من هؤلاء رفض استلام الأسئلة أو الأجوبة النموذجية. ولا أحد قال أن هذا التصرف مشين لا يشرفنا. و لا أحد قال أنها مهزلة وعيب علينا أن نساهم في تعليم أبنائنا ممارسة الغش بهذه الطريقة المفضوحة. و لا أحد قال ان ذلك سيضر بمستقبل أبنائنا اكثر ما ينفعهم. ولا أحد قال ان مثل هذا السلوك يضر بسمعة ومصداقية المدرسة والشهادات الرسمية التي تمنح لأبنائنا في المنظمات الدولية كاليونيسكو و جامعات العالم.
   إنها فضيحة ليست خاصة بوزارة التربية الوطنية فحسب بل هي فضيحة للمجتمع الجزائري ككل يجب ان نتعرف بذلك. لآن كل مؤسسات التنشئة الاجتماعية بينت أنها تحبذ الغش وتشجع عليه وتفرح لممارسته وتوصي غيرها لتسهيله على أبنائها في كل المستويات التعليمية من الابتدائي حتى التعليم الجامعي.
    ألم يصبح الغش في الامتحانات جزء من الثقافة المجتمعية؟ عندما نحلل مختلف المواقف والسلوكات الملاحظة في المدرسة والجامع الجزائرية نكتشف ان الغش أصبح جزء من المنظومة الثقافية للمجتمع الجزائري. وإلا ماذا نقول عندما نجد الكثير من المفتشين والمديرين والمسؤولين في التعليم الابتدائي مثلا يقولون للمعلمين والأساتذة في الاجتماعات التنظيمية للامتحانات الرسمية، [ تهلاو في تلامذتنا راهم اولادنا وأولادكم ]، يجب ان تحتل مدرستنا ومقاطعتنا المراتب الأولى، يجب ان نحقق نسبة نجاح 100/100 - ويجب ان يتحصل أكبر عدد من تلامذتنا على معدل 10/10؟
      وماذا نقول عن الأولياء و المعلمين والأساتذة الذين يوصون الإداريين و رؤساء مراكز الامتحانات و الأساتذة المكلفين بحراسة الامتحانات الرسمية قبل اجراء الامتحانات بأن يتكفلوا بأبنائهم  وفق الصيغة الاتية" تهلاو في اولادنا ولا تُقلقُوهم أثناء الامتحانات"؟
      وماذا نقول عندما نجد بعض المديرين والمفتشين في مختلف المراحل الدراسية يضغطون على المعلمين والأساتذة لتغيير نقاط بعض من توسط لديهم من أجل ضمان نجاح أبنائهم او لرفع نسب النجاح في مقاطعاتهم ومؤسساتهم؟
     وماذا نقول عن معلمين أو أساتذة في التعليم الابتدائي والمتوسط والثانوي يقدمون إجابات للممتحنين في بعض المواد خلال الامتحانات الرسمية و يسهلوا عمليات الغش فيما بينهم؟     
     وماذا نقول عن أساتذة جامعيين ومعلمين وأساتذة في التعليمين المتوسط والثانوي عند نهاية كل فصل دراسي او نهاية كل سداسي بالجامعي قبل أو أثناء إجراء الامتحانات يقدمون لزملائهم الاخرين وريقات تحمل أسماء لتلاميذ وتلميذات ولطلبة وطالبات يقولون لهم [ تْهَلاَوْ فيهم] والبعض الاخر يتصل بهم أولياء من مختلف الشرائح الاجتماعية على مستوى بيوتهم  وإقاماتهم أو عبر الهاتف ويقولون لهم [ عاونا أو تْهَلاَّ في بني أو في بنتي أو في وليد عمي و وليد خالتي وبنت صاحبي او بنت جارنا أو بنت مديرنا او رئيس مصلحة، ومول التاج يحتاج  وغيرها من العبارات...]؟
    وماذا نقول عندما نجد أولياء في مختلف الادارات و المؤسسات العمومية والخاصة في نهاية كل سنة دراسة وجامعية يستعملون نفوذهم او يستعملون مختلف الوساطات لإنجاح أبنائهم عن طريق طلب تضخيم نقاطهم أو تقديم لهم نقاط لا تعبر عن مستواهم الحقيقي؟
   ماذا تعني مثل تلك التصرفات و الممارسات والتوجيهات التي يتناقلها كل أفراد المجتمع عامتهم وخاصتهم في كل المستويات؟ هل تعني طلب تحسين مستوى تلامذتنا وطلبتنا لتطوير ذكائهم وقدراتهم العلمية والابداعية أم أنها تعني إشباع النزوات النرجسية للمشرفين على المدراس والمقاطعات لتحسين صورتهم و الحصول على الترقيات والشهادات والتكريمات في نهاية كل سنة على حساب مستقبل أبنائنا؟ و هل تعني الحرص على خدمة مصلحة التلميذ و الطالب وعدم التهاون في دراسته، أم أنها تعني تقديم خدمات اجتماعية على شاكلة قفة رمضان التي توزع على المساكين والفقراء من الضمير المهني و من روح المسؤولية التربوية؟ 
    في ظل هذه الممارسات التي يصر عليها الجميع، نتساءل ماذا بقي من روح المسؤولية لدينا؟ و ماذا بقي من فروق ثقافية وعلمية بين العالم والجاهل وبين المربي أو الأستاذ و عامة الناس، مادام كلهم يفكرون ويتصرفون بنفس الكيفية والطريقة؟ وماذا بقي من مصداقية لعملية التقويم التربوي في المدرسة والجامعة الجزائرية؟
    ألا  يؤكد لنا ذلك أن القيم والمبادئ التي وجدت المدرسة والجامعة من اجلها قد تميعت وأصبح النجاح والربح مرهون بالقدرة على التحايل والتزوير والغش بكل الوسائل أكثر ما هو مرهون بالجهد والعمل؟
    التغطية الإعلامية للغش والاستثمار السياسي و الإيديولوجي للغش:
   وما يعرف لدى الكثير من المجتمعات المحترمة أنه عندما يظهر فيها الفساد او المرض او الخلل تتجند كل مؤسساته  وتتدخل لدراستها بطرق علمية و تتخذ إجراءات لمعالجة أسبابها وجذورها بناء على التشخيص العلمي لها. إلا أن ما يؤسف له في مجتمعنا الجزائري ان التناول الإعلامي كان فيه نوع من التحريض والتهريج بغرض الاستثمار السياسي والايديولوجي من قبل السياسيين والإعلاميين لتصفية حساباتهم و تحقيق مكاسب حزبية وإيديولوجية ضيقة على حساب مصلحة أبنائنا وعلى حساب رسالة ودور المدرسة والجامعة في المجتمع. و غيب فيها المعالجة العلمية الموضوعية باستضافة أهل الاختصاص في العلوم النفسية والتربوية والاجتماعية في مناقشة الظاهرة. ونتساءل هنا إذا كان مثل ذلك النقاش السياسي والايديولوجي القائم على تبادل التهم والسب والشتم لم يفد ولو مرة مجتمعنا في علاج أي مشكلة او ظاهرة اجتماعية أو تربوية فلماذا الإصرار على تكريسه و اجتراره بنفس الطريقة في وسائل الاعلام العمومية والخاصة إذا كان لا يفيد أحدا؟  وفي نفس الوقت ألا نلاحظ أن تلك النقاشات عقيمة قد كرست اكثر التفكير النمطي ( التفكير وفق قوالب جاهزة) وزادت في الاحتقان و زرع الغموض في المجتمع ولم تقدم أي حلول لمشكلاتنا؟ ألا نرى أن التصدر الإعلامي للسياسيين وعامة الناس في الكثير من القضايا العلمية والبيداغوجية كثيرا ما ساهم في تمييع النقاش الجدي وعزز ثقافة التهريج في المجتمع. ألا يمكن القول أن مثل هذه الممارسات الإعلامية تعتبر نوعا من الغش والخداع للعقول لتفكر خارج الموضوع.
انعكاسات الغش على السلوك أبنائنا: لقد تعلمنا منذ صغرنا انه "من جد وجد ثمرة عمله" ومن زرع حصد ثمار زرعه. فإذا زرعنا ثقافة الغش في أبنائنا بكل الطرق والأساليب سنجني حتما أفرادا مغشوشين في تفكيرهم وتصوراتهم وقناعاتهم فيرون في الغش والخداع والتحايل والتزوير فحولة وقفازة. ألا نرى الأجيال الناشئة تكرس ثقافة طاق على من طاق"؟ ألم يتجسد ذلك في كل مجالات حياتنا المهنية والعائلية في التجارة والصناعة والفلاحة والطب والاعلام وفي الاقتصاد والثقافة والرياضة، فقلبنا سلم القيم رأسا على عقب، حتى أصبح الجميع يتفنن في تقنيات الغش والتحايل من أجل النجاح والربح؟
   ألا نرى ان تسهيل الغش والتشجيع على ممارسته والسكوت عنه او التواطؤ معه يضر بمستقبل بأبنائنا أكثر ما ينفعهم ويضر بسمعة المدرسة والدولة ككل؟ ألا نرى ان أبناءنا يتحصلون على شهادات وألقاب علمية دون محتوى ومستوى علمي يؤهلهم لأداء مهامهم بنجاح في كل مجالات حياتهم؟ ألا نرى ان أبناءنا يخرجون من المدارس والجامعات ولا يستطيعون حل أبسط مشكلاتهم اليومية لأن تحصيلهم العلمي والمعرفي ضعيف جدا؟ ألا نرى ان المتخرجين من مدارسنا و جامعاتنا لا يعرفون حتى كتابة طلب التوظيف ولا كتابة رسالة او التعبير عن فكرة بلغة صحيحة وواضحة؟ ألا نرى جميعا ان أداء الكثير من المتخرجين من مدارسنا وجامعاتنا الجزائرية في ميادين توظيفهم رديئا للغاية؟
  ألا نشتكي جميعا من رداءة منتوجاتنا ومصنوعاتنا ومزروعاتنا، وخدماتنا الإدارية والطبية والتربوية والتجارية والصناعية و في كل مجالات حياتنا بسبب رداءة الموظفين الذين كوّناهم؟ ألا نشتكي جميعا من الغش والتحايل والخداع؟ بلى كلنا يشتكي من ذلك في كل مجالسنا الخاصة والعامة، والكل يعترف أن سبب ذلك هو تماهينا وتباهينا بالغش. والكل يعترف اننا لسنا جادينا في اعمالنا وفي تعليمنا وتربيتنا وفي خدماتنا. والكل يعترف مع نفسه ومع غيره أننا فقدنا روح المسؤولية.
 أليس  كل ذلك ناتج أساسا عن نجاح أبناءنا بغير استحقاق في مختلف الامتحانات، بالتدخلات أو بالتسهيلات أو بالتواطؤ او التضخيم للنقاط وغيرها؟ وعندما نعرف في قرارات أنفسنا بأننا ساهمنا في تكريس الرداءة في كل مجالات حياتنا، ألا يمكن تجريب طرق تفكير جديدة غير تلك المألوفة لدينا التي توارثناها من خلال التعلم الاجتماعي في معالجة مشكلاتنا الاجتماعية ولول لمرة واحدة؟ ألا يمكن ان نُعلم ابناءنا ان النجاح والربح يتحققان بالاجتهاد والعمل؟ ألا يمكن ان نعلم أبناءنا ان التربية والتعليم لا تعني الحصول على الشهادات بقدر ما تعني تطوير المهارات والقدرات؟ ألا يمكن ان نعلم ابناءنا ان التعلُّم والتعليم لا مجال فيهما للمجاملات والمحاباة؟ ألا يمكن تعليمهم ان الحياة كلها امتحانات تحتاج منا إلى تطوير ذكائنا و الاعتماد على أنفسنا وتوظيف قدراتنا الكامنة؟ بلى يمكن لنا تعليمهم كل ذلك، فقط عندما يعود نسترجع الوعي بروح المسؤولية في كل تصرفاتنا اتجاه مستقبل أبنائنا، و عندما نتحر من اللامبالاة في سلوكاتنا، و عندما نقتنع جازمين أننا لسنا ملزمين بالسير دائما وراء القطيع، عملا بقول الرسول صلى الله عليه وسلم:" لا تكونوا إمعة، إن أحسن الناس أحسنتم وإن أساؤوا أسأتم". وعندما نقوم بأدوارنا الرسالية كمربين وأساتذة في تقديم الدروس في الصرامة والنزاهة والموضوعية والانضباط وفق قواعد اخلاقيات المهنة التربوية لكل من تسول له نفسه الاتصال بنا والإساءة إلينا بمحاولة التأثير في نزاهة تقويمنا.
                                                         

                                                                    سطيف في 13 /06/2016