الدكتور خالد عبد السلام قسم علم النفس جامعة سطيف2
عندما نقرأ حديث الرسول صلى الله عليه وسلم "من غشنا فليس منا"
نفهم بشكل واضح وصريح أن الغش والخداع والتحايل في كل مجالات الحياة أمرا مرفوضا
ومستهجنا بل ومحرما في الاسلام. و نفهم أيضا أن من يمارسه أو يفرح به او يشجع عليه
لا يقبل أن يكون ضمن جماعة المسلمين. لأن ذلك يتناقض مع ملمح وصفات المسلم الذي
يفترض أن يكون أكثر الناس جدية وأكثرهم أمانة وصدقا في عمله و علاقاته ومعاملاته. لأن
الغش لغة واصطلاحا، حسب المناوي في كتابه التوقيف على مهمات التعاريف ص 252 يعني
" كل ما يخلط من الرَّديء بالجِّيد" ويعني
أيضا في كتاب
لسان العرب: "عدم النصح والخداع"
والذي يفترض محاربة كل مظاهره وأشكاله في المجتمعات الإسلامية أكثر من غيرها
لاعتبارات دينية وأخلاقية.
لكن عندما نجد أسئلة البكالوريا خلال
فضيحة تسريبها في دورة جوان 2016 توزع في الأسواق والمقاهي والشوارع وترسل إلى
البيوت عبر الهاتف النقال والبريد الالكتروني وعن طريق وسائط التواصل الاجتماعي مجانا،
و نجد كل الناس تفرح وتبتهج (أولياء ومربين ومسؤولين وعامة الناس) ويتباهون أمام جيرانهم
وأصدقائهم بحصولهم على أسئلة البكالوريا والأجوبة النموذجية ويتفاعلون مع الحدث
وكأنهم حققوا إنجازا و انتصارا عظيما، و ضمنوا النصر والنجاح والتفوق لأبنائهم،
عندها نطرح أكثر من سؤال حول ماذا بقي من شهامة و مسؤولية ومن قيم أخلاقية ومهنية فينا؟
ونتساءل ماذا بقي من دور ورسالة لمؤسسات التنشئة الاجتماعية لا سيما مدراسنا
وجامعاتنا؟ وماذا بقي من مصداقية ونزاهة في عمليات التقويم التربوي في كل مؤسساتنا
التعليمية؟ مادام الجميع يلهث ويتهافت على الحصول على المزيد من التسهيلات و
المزيد من التواطؤ في ممارسة الغش لصالح أبنائهم. و ما دام لا أحد من هؤلاء رفض
استلام الأسئلة أو الأجوبة النموذجية. ولا أحد قال أن هذا التصرف مشين لا يشرفنا.
و لا أحد قال أنها مهزلة وعيب علينا أن نساهم في تعليم أبنائنا ممارسة الغش بهذه
الطريقة المفضوحة. و لا أحد قال ان ذلك سيضر بمستقبل أبنائنا اكثر ما ينفعهم. ولا
أحد قال ان مثل هذا السلوك يضر بسمعة ومصداقية المدرسة والشهادات الرسمية التي
تمنح لأبنائنا في المنظمات الدولية كاليونيسكو و جامعات العالم.
إنها فضيحة ليست خاصة بوزارة
التربية الوطنية فحسب بل هي فضيحة للمجتمع الجزائري ككل يجب ان نتعرف بذلك. لآن كل
مؤسسات التنشئة الاجتماعية بينت أنها تحبذ الغش وتشجع عليه وتفرح لممارسته وتوصي
غيرها لتسهيله على أبنائها في كل المستويات التعليمية من الابتدائي حتى التعليم
الجامعي.
ألم يصبح الغش في الامتحانات جزء من
الثقافة المجتمعية؟ عندما نحلل مختلف المواقف والسلوكات الملاحظة في المدرسة والجامع
الجزائرية نكتشف ان الغش أصبح جزء من المنظومة الثقافية للمجتمع الجزائري. وإلا ماذا نقول عندما نجد
الكثير من المفتشين والمديرين والمسؤولين في التعليم الابتدائي مثلا يقولون
للمعلمين والأساتذة في الاجتماعات التنظيمية للامتحانات الرسمية، [ تهلاو في
تلامذتنا راهم اولادنا وأولادكم ]، يجب ان تحتل مدرستنا ومقاطعتنا المراتب الأولى،
يجب ان نحقق نسبة نجاح 100/100 - ويجب ان يتحصل أكبر عدد من تلامذتنا على معدل
10/10؟
وماذا نقول عن الأولياء
و المعلمين والأساتذة الذين يوصون الإداريين و رؤساء مراكز الامتحانات و الأساتذة المكلفين
بحراسة الامتحانات الرسمية قبل اجراء الامتحانات بأن يتكفلوا بأبنائهم وفق الصيغة الاتية" تهلاو في اولادنا ولا تُقلقُوهم
أثناء الامتحانات"؟
وماذا نقول عندما نجد بعض
المديرين والمفتشين في مختلف المراحل الدراسية يضغطون على المعلمين والأساتذة لتغيير
نقاط بعض من توسط لديهم من أجل ضمان نجاح أبنائهم او لرفع نسب النجاح في مقاطعاتهم
ومؤسساتهم؟
وماذا نقول عن معلمين أو أساتذة
في التعليم الابتدائي والمتوسط والثانوي يقدمون إجابات للممتحنين في بعض المواد
خلال الامتحانات الرسمية و يسهلوا عمليات الغش فيما بينهم؟
وماذا نقول عن أساتذة جامعيين ومعلمين وأساتذة
في التعليمين المتوسط والثانوي عند نهاية كل فصل دراسي او نهاية كل سداسي بالجامعي
قبل أو أثناء إجراء الامتحانات يقدمون لزملائهم الاخرين وريقات تحمل أسماء لتلاميذ
وتلميذات ولطلبة وطالبات يقولون لهم [ تْهَلاَوْ فيهم] والبعض الاخر يتصل بهم أولياء
من مختلف الشرائح الاجتماعية على مستوى بيوتهم وإقاماتهم أو عبر الهاتف ويقولون لهم [ عاونا أو
تْهَلاَّ في بني أو في بنتي أو في وليد عمي و وليد خالتي وبنت صاحبي او بنت جارنا
أو بنت مديرنا او رئيس مصلحة، ومول التاج يحتاج وغيرها من العبارات...]؟
وماذا نقول عندما نجد أولياء في
مختلف الادارات و المؤسسات العمومية والخاصة في نهاية كل سنة دراسة وجامعية
يستعملون نفوذهم او يستعملون مختلف الوساطات لإنجاح أبنائهم عن طريق طلب تضخيم
نقاطهم أو تقديم لهم نقاط لا تعبر عن مستواهم الحقيقي؟
ماذا تعني مثل تلك التصرفات و الممارسات والتوجيهات
التي يتناقلها كل أفراد المجتمع عامتهم وخاصتهم في كل المستويات؟ هل تعني طلب تحسين
مستوى تلامذتنا وطلبتنا لتطوير ذكائهم وقدراتهم العلمية والابداعية أم أنها تعني إشباع
النزوات النرجسية للمشرفين على المدراس والمقاطعات لتحسين صورتهم و الحصول على
الترقيات والشهادات والتكريمات في نهاية كل سنة على حساب مستقبل أبنائنا؟ و هل
تعني الحرص على خدمة مصلحة التلميذ و الطالب وعدم التهاون في دراسته، أم أنها تعني
تقديم خدمات اجتماعية على شاكلة قفة رمضان التي توزع على المساكين والفقراء من الضمير
المهني و من روح المسؤولية التربوية؟
في ظل هذه الممارسات التي يصر عليها
الجميع، نتساءل ماذا بقي من روح المسؤولية لدينا؟ و ماذا بقي من فروق ثقافية
وعلمية بين العالم والجاهل وبين المربي أو الأستاذ و عامة الناس، مادام كلهم يفكرون
ويتصرفون بنفس الكيفية والطريقة؟ وماذا بقي من مصداقية لعملية التقويم التربوي في
المدرسة والجامعة الجزائرية؟
ألا يؤكد لنا ذلك أن القيم والمبادئ التي وجدت
المدرسة والجامعة من اجلها قد تميعت وأصبح النجاح والربح مرهون بالقدرة على
التحايل والتزوير والغش بكل الوسائل أكثر ما هو مرهون بالجهد والعمل؟
التغطية الإعلامية للغش والاستثمار السياسي و
الإيديولوجي للغش:
وما يعرف لدى الكثير من المجتمعات
المحترمة أنه عندما يظهر فيها الفساد او المرض او الخلل تتجند كل مؤسساته وتتدخل لدراستها بطرق علمية و تتخذ إجراءات لمعالجة
أسبابها وجذورها بناء على التشخيص العلمي لها. إلا أن ما يؤسف له في مجتمعنا الجزائري
ان التناول الإعلامي كان فيه نوع من التحريض والتهريج بغرض الاستثمار السياسي
والايديولوجي من قبل السياسيين والإعلاميين لتصفية حساباتهم و تحقيق مكاسب حزبية وإيديولوجية
ضيقة على حساب مصلحة أبنائنا وعلى حساب رسالة ودور المدرسة والجامعة في المجتمع. و
غيب فيها المعالجة العلمية الموضوعية باستضافة أهل الاختصاص في العلوم النفسية
والتربوية والاجتماعية في مناقشة الظاهرة. ونتساءل هنا إذا كان مثل ذلك النقاش
السياسي والايديولوجي القائم على تبادل التهم والسب والشتم لم يفد ولو مرة مجتمعنا
في علاج أي مشكلة او ظاهرة اجتماعية أو تربوية فلماذا الإصرار على تكريسه و اجتراره
بنفس الطريقة في وسائل الاعلام العمومية والخاصة إذا كان لا يفيد أحدا؟ وفي نفس الوقت ألا نلاحظ أن تلك النقاشات عقيمة
قد كرست اكثر التفكير النمطي ( التفكير وفق قوالب جاهزة) وزادت في الاحتقان و زرع الغموض
في المجتمع ولم تقدم أي حلول لمشكلاتنا؟ ألا نرى أن التصدر الإعلامي للسياسيين
وعامة الناس في الكثير من القضايا العلمية والبيداغوجية كثيرا ما ساهم في تمييع النقاش
الجدي وعزز ثقافة التهريج في المجتمع. ألا يمكن القول أن مثل هذه الممارسات الإعلامية
تعتبر نوعا من الغش والخداع للعقول لتفكر خارج الموضوع.
انعكاسات
الغش على السلوك أبنائنا: لقد تعلمنا منذ
صغرنا انه "من جد وجد ثمرة عمله" ومن زرع حصد ثمار زرعه. فإذا زرعنا
ثقافة الغش في أبنائنا بكل الطرق والأساليب سنجني حتما أفرادا مغشوشين في تفكيرهم
وتصوراتهم وقناعاتهم فيرون في الغش والخداع والتحايل والتزوير فحولة وقفازة. ألا
نرى الأجيال الناشئة تكرس ثقافة طاق على من طاق"؟ ألم يتجسد ذلك في كل مجالات
حياتنا المهنية والعائلية في التجارة والصناعة والفلاحة والطب والاعلام وفي الاقتصاد
والثقافة والرياضة، فقلبنا سلم القيم رأسا على عقب، حتى أصبح الجميع يتفنن في
تقنيات الغش والتحايل من أجل النجاح والربح؟
ألا نرى ان تسهيل الغش والتشجيع على ممارسته
والسكوت عنه او التواطؤ معه يضر بمستقبل بأبنائنا أكثر ما ينفعهم ويضر بسمعة
المدرسة والدولة ككل؟ ألا نرى ان أبناءنا يتحصلون على شهادات وألقاب علمية دون
محتوى ومستوى علمي يؤهلهم لأداء مهامهم بنجاح في كل مجالات حياتهم؟ ألا نرى ان
أبناءنا يخرجون من المدارس والجامعات ولا يستطيعون حل أبسط مشكلاتهم اليومية لأن
تحصيلهم العلمي والمعرفي ضعيف جدا؟ ألا نرى ان المتخرجين من مدارسنا و جامعاتنا لا
يعرفون حتى كتابة طلب التوظيف ولا كتابة رسالة او التعبير عن فكرة بلغة صحيحة
وواضحة؟ ألا نرى جميعا ان أداء الكثير من المتخرجين من مدارسنا وجامعاتنا
الجزائرية في ميادين توظيفهم رديئا للغاية؟
ألا نشتكي جميعا من رداءة منتوجاتنا ومصنوعاتنا
ومزروعاتنا، وخدماتنا الإدارية والطبية والتربوية والتجارية والصناعية و في كل
مجالات حياتنا بسبب رداءة الموظفين الذين كوّناهم؟ ألا نشتكي جميعا من الغش
والتحايل والخداع؟ بلى كلنا يشتكي من ذلك في كل مجالسنا الخاصة والعامة، والكل
يعترف أن سبب ذلك هو تماهينا وتباهينا بالغش. والكل يعترف اننا لسنا جادينا في
اعمالنا وفي تعليمنا وتربيتنا وفي خدماتنا. والكل يعترف مع نفسه ومع غيره أننا فقدنا
روح المسؤولية.
أليس كل
ذلك ناتج أساسا عن نجاح أبناءنا بغير استحقاق في مختلف الامتحانات، بالتدخلات أو
بالتسهيلات أو بالتواطؤ او التضخيم للنقاط وغيرها؟ وعندما نعرف في قرارات أنفسنا
بأننا ساهمنا في تكريس الرداءة في كل مجالات حياتنا، ألا يمكن تجريب طرق تفكير
جديدة غير تلك المألوفة لدينا التي توارثناها من خلال التعلم الاجتماعي في معالجة مشكلاتنا
الاجتماعية ولول لمرة واحدة؟ ألا يمكن ان نُعلم ابناءنا ان النجاح والربح يتحققان بالاجتهاد والعمل؟ ألا يمكن ان نعلم أبناءنا
ان التربية والتعليم لا تعني الحصول على الشهادات بقدر ما تعني تطوير المهارات
والقدرات؟ ألا يمكن ان نعلم ابناءنا ان التعلُّم والتعليم لا مجال فيهما للمجاملات
والمحاباة؟ ألا يمكن تعليمهم ان الحياة كلها امتحانات تحتاج منا إلى تطوير ذكائنا
و الاعتماد على أنفسنا وتوظيف قدراتنا الكامنة؟ بلى يمكن لنا تعليمهم كل ذلك، فقط
عندما يعود نسترجع الوعي بروح المسؤولية في كل تصرفاتنا اتجاه مستقبل أبنائنا، و
عندما نتحر من اللامبالاة في سلوكاتنا، و عندما نقتنع جازمين أننا لسنا ملزمين
بالسير دائما وراء القطيع، عملا بقول الرسول صلى الله عليه وسلم:" لا تكونوا
إمعة، إن أحسن الناس أحسنتم وإن أساؤوا أسأتم". وعندما نقوم بأدوارنا
الرسالية كمربين وأساتذة في تقديم الدروس في الصرامة والنزاهة والموضوعية
والانضباط وفق قواعد اخلاقيات المهنة التربوية لكل من تسول له نفسه الاتصال بنا
والإساءة إلينا بمحاولة التأثير في نزاهة تقويمنا.
سطيف في 13 /06/2016
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire