حوار حول المنظومة التربوية والاصلاحات التي طالتها
مع جريدة الجزائرية الاولى
د/ خالد عبد السلام
-كيف تصفون المنظومة التربوية اليوم في الجزائر؟
لماذا؟
يمكن القول ان المنظومة التربوية
اليوم في تدهور خطير، ينذر بمشكلات تهدد مستقبل المجتمع الجزائري وتجعله لا يستطيع
مواجهة تحديات المستقبل في كل أبعادها العلمية والثقافية والاقتصادية والتكنولوجية
ومن مؤشرات الخطر:
1 ـ
نوعية التكوين في تدني مستمر في كل المراحل التعليمية من الابتدائي إلى الجامعي.
2ـ نسب الرسوب مقلقة للغاية في
كل المستويات الدراسية في كل الأطوار أيضا حتى الجامعة.
3ـ اتباع عمليات الانتقال الآلي
للمتعلمين ذوي صعوبات التعلم من مستوى إلى آخر دون علاج مشكلاتهم الدراسية وهو ما
جعلها تتفاقم وتسبب لهم الفشل في المستويات العليا.
4ـ تفشي مظاهر الغش في
الامتحانات بكل أشكالها والتي تورط فيها المتعلمين والأساتذة والادارة المدرسية من
خلال تغيير وتضخيم النقاط لرفع نسب النجاح،
وحتى الأولياء ساهموا في ذلك من خلال تدخلاتهم على مستوى الإدارة والمعلمين
لانجاح أبنائهم رغم ضعف إمكانياتهم ومستواهم الدراسي.
5ـ ضعف أداء المعلمين والأساتذة
في المدارس لدفع المتعلمين إلى التسجيل في دروس الدعم حتى اصبحت هذه الخيرة مدارس
موازية أخلت بمبدأ مجانية التعليم وتكافؤ الفرص بين المتعلمين, وبالتالي تحولت
المدارس إلى مؤسسات لحضانة الأطفال فأخلت برسالته ودورها الاستراتيجي إلى حد ما.
6ـ إلى جانب ذلك نجد ان نظامنا
التربوي ببرامجه الحالية والسياسات المتبعة أصبح يكون أفرادا دون وجهة ولا هوية
محددة.
2-أين يكمن الخلل فيها؟
ـ الخلل يكمن فينا جميعا أي في
كل مؤسسات المجتمع ابتداء من المدرسة نفسها من خلال غياب استراتيجيات عمل شفافة
وجادة لتغيير الكثير من السلبيات والظواهر المعيقة لأداء دورها.
وفي الأسرة لغيابها عن لعب أدوار
فاعلة للتأثير في صانعي القرار وفي صناعة السياسات التربوية لاعتبارات متعددة، من
أهمها انشغال جمعيات الأولياء في تبرير سياسات قائمة وتبني خطابات الوزارة والتدخل
في بعض القضايا الثانوية والاجتماعية فقط بدل أن تكون شريكا يقدم الرؤى
والاقتراحات في الجوانب البيداغوجية والعلمية والتربوية وغيرها.
إلى جانب غياب إستراتيجية
إعلامية فاعلة ونشطة على مستوى القنوات التلفزيونية والاذاعية والجرائد لتوعية وتحسيس أفراد المجتمع والأسر بهدف رفع مستوى
ثقافتها التربوية وتجنيدها للعب ادوار ايجابية في مساعدة المدرسة في تربية أبنائه
وإنجاح برامجها. كما هو معمول به في كل الدول المتقدمة و حتى الدول النامية و
الدول العربية والاسلامية الأقل منا في الإمكانيات التي تخصص قنوات تلفزيونية
للتربية والتعليم.
إضافة إلى عدم تكليف مختصين
وخبرات في التربية في مختلف الهياكل الوزارية وفي اللجان المختصة في إعداد البرامج
والسياسات التربوية.
3-أين دور الوزارة الوصية في كل هذا؟
دور الوزاة يبدو انها تتأرجح بين العمل الاداري البحث
والعمل البيداغوجي، لذلك سيطر المنطق الاداري في كل قراراتها على حساب الأبعاد
البيداغوجية, حيث دائما تعمل وزارة التربية الوطنية على إظهار الانجازات من خلال
الأرقام فقط وترفض كل الانتقادات والفضائح التي وقعت في محتوى البرامج التربوية و
في أسئلة الامتحانات الرسمية (شهادتي التعليم المتوسط والبكالوريا وحتى شهادة
التعليم الابتدائي) بل نجدها تبررها وتدافع عنها وكأنها لا حدث لذلك لا يعاقب
مسؤولوها إلى درجة انه يوحى للمجتمع أنهم ملائكة ومعصومين من الخطأ، باتباع سياسة
كل شيء على ما يرام. لذلك في اليوم الذي تملك
الوزارة الجرأة في قبول الانتقادات والملاحظات وتعترف بأخطائها في تدبير
شؤون التربية الوطنية في ذلك الوقت يمكن أن نتفاءل خيرا لمنظومتنا التربوية.
4-من هي الجهات المسؤولة التي ترونها مقصرة في واجبها؟ كل الجهات مسؤولة، ابتداء من الرئاسة والحكومة والوزارة التي تتجنب فتح
نقاش عمومي حول النظام التربوي للفت انتباه الرأي العام حول أهميته الاستراتيجية
والتنموية( واقعه تحدياته ومستقبله)، والبرلمان والأحزاب السياسية التي لا تهمها
سوى ما تغتنمه من السلطة فلا هي قدمت مشاريع وأفكار ولا تملك حتى رؤية او اهتمام
للتربية والتعليم، كما ان جمعيات المجتمع المدني لها نصيب من المسؤولية بتخاذلها
وانشغالها بتقديم خدمات للمسؤولين السياسيين والتقرب منهم لتحقيق النفوذ
والامتيازات، فلا تطرح
5-ما هي الحلول التي تقترحونها لإصلاحها؟
الحلول التي نراها ترتكز على:
تحديد فلسفة رؤية المجتمع لمشروعه
المستقبلي
استراتيجيات عمل متكاملة تحدد من خلالها
1ـ إستراتيجية الرصد لكل لدراسات والبحوث والتقارير العلمية
حول النظام التربوي الجزائري:
تهدف عملية الرصد بشكل أساسي
إلى تأسيس بنك للدراسات والبحوث العلمية التي أنجزت حول النظام التربوي والتعليمي
الجزائري خلال العشر سنوات الماضية منذ فترة الإصلاحات المطبقة. من قبل الباحثين
سواء على مستوى مذكرات الماجستير أو رسائل الدكتوراه، او على مستوى فرق ومراكز
ومخابر البحث على المستوى الوطني.
2ـ إستراتيجية التفعيل لفرق البحث السارية المفعول حول
النظام التعليمي:
من اجل إجراء تقويم علمية
واقعية وموضوعية يتطلب الأمر تفعيل ودعم وتوجيه فرق البحث المعتمدة على مستوى
المخابر ومراكز البحث الوطنية التي تنشط حول موضوعات ذات العلاقة بالمدرسة
والجامعة الجزائرية بالكيفية التي يمكن
تساعد أصحاب القرار على الاستفادة من نتائجها والعمل وفقها في اتخاذ القرارات.
3ـ إستراتيجية المتابعة و التقويم المستمر عبر مؤسسات علمية
مستقلة:
من أجل جودة الأداء لمنظومة
التربية والتكوين تحتاج العلمية إلى وضع برامج عمل دائمة على مستوى لجان أو فرق أو
مراكز بحث مستقلة مع توفير آليات وأدوات عمل تستطيع من خلالها إجراء عملية
المتابعة والتقويم الدوري لكل الإجراءات التطبيقية الميدانية.
4ـ إستراتيجية البحث العلمي والتجريب الميداني للمناهج
الدراسية قبل تطبيقها:
حتى تكون المناهج الدراسية
المطبقة في كل مراحل التعليم، تحتاج إلى مراجعات عميقة حتى تتجاوب واهتمامات
المتعلمين وتجاوبا مع بيئتهم الاجتماعية والثقافية، من خلال إعادة بنائها عن طريق
إجراء دراسات ميدانية تحدد الخصائص الثقافية والاجتماعية واللغوية والاقتصادية
للمجتمع الجزائري. بدل استنساخ صور طبق الأصل من بيئات غير جزائرية، وهو ما يفقدها
للواقعية والموضوعية والفاعلية.
5 ـ إستراتيجية التحسيس لرفع مستوى الوعي بالمسؤولية لدى كل
مؤسسات المجتمع:
يتم ذلك من خلال فتح حوارات ونقاشات معمقة مع جميع الخبرات والمختصين
والممارسين والمهتمين بالقضايا التربوية والتعليمية من أجل:
ـ التحسيس والتوعية لكل أفراد
المجتمع وخاصة الأولياء للتجنُّد والمساهمة في تربية وتكوين أبنائها.
ـ إشراك كل الأطراف الفاعلة في
ميدان التربية والتعليم ومؤسسات المجتمع المدني ووسائل الإعلام في إثراء موضوعات
المطروحة للنقاش قصد الاستفادة منها جميعا دون إقصاء لآي طرف.
ـ يتحقق ذلك عن طريق فتح قنوات
تلفزيونية وإذاعية متخصصة في التربية والتعليم.
ـ تأسيس مجلات محكمة علميا
وجرائد متخصصة في التربية والتعليم مع دعمها ماليا ولوجيستيا.
ـ فتح مواقع الأنترنيت رسمية
يشرف عليها متخصصون وخبراء في مختلف العلوم، كفضاء للتربية والتعليم.
6ـ إستراتيجية التكوين المستمر:
تماشيا مع التطورات العلمية
والمعرفية والتكنولوجية المتسارعة في مختلف العلوم و المجالات، يحتاج المعلمون
والمربون وكل المتعاملين مع الأطفال والمراهقين إلى رسكلة وتدريب مستمرين حتى
يستطيعوا مسايرة ذلك التطور.
وعندما يتجند المجتمع وتتكامل
ادوار كل المؤسسات التربوية في مهمتها ويهتم الجميع بمستقبل الأجيال الناشئة عندها
يمكن ان نحلم بإقلاع حضاري حقيقي يعيد للجزائر مكانتها ودورها ويضمن مستقبلها.
6-شهدت
الجزائر عدة إصلاحات من بينها إصلاحات في قطاع التربية، حيث تمت خلاله تغيير
المناهج التعليمية أسلوبا و مضمونا، لكن لاحظنا في الأخير انه تأزمت الوضعية
التربوية. في رأيكم ما أسباب ذلك؟ ومن هي الجهات المسؤولة في ذلك؟
بطبيعة الحال تتأزم الوضعية لأن
الذهنيات بقيت هي نفسها والممارسات مازالت على حالها، فلا يمكن ان تطلب من معلم او
أستاذ أن يدرس باستراتيجية جديدة وهو لا يعرفها ولم يسبق له أن سمع بها. فإذا
أردنا التغيير يجب أن نغير أولا ما في أنفسنا من ذهنيات وتصورات سلبية وأوهام أومخاوف
ووساوس مرضية اتجاه الفعل التربوي. فإذا كان الإنسان المكون والمسير لم نغيره ولم
نكونه ليساير التغييرات والإصلاحات فكيف نطلب منه أن يحسن الوضع أو أن ينجح في
تطبيق أي إصلاحات؟ فعندما هُمش العنصر البشري في إستراتيجية الاصلاح التربوي بالضرورة
أن تفشل العملية كلها في تحقيق الأهداف المنشوردة، هذه سنن التغيير وقوانينها التي
يجب احترامها. والمسؤولية مشتركة بين جميع مؤسسات المجتمع ونخبته ومثقفيه وسياسييه
.
7-لماذا هذا التذبذب و الإسراع في إصلاح مؤسسة تعتبر منشأ الأجيال و مستقبل
البلاد؟ التذبذب بحد ذاته ناتج عن الإسراع، وفي نفس الوقت غياب رؤية إستراتيجية لدى
المسؤولين على قطاع التربية حول منهجية التغيير والاصلاح. فلا يمكن مثلا أن تقوم
وزارة التربية بتقييم نفسها بنفسها بطرق شفوية وعفوية، بينما التقويم تقوم به
مؤسسا علمية جامعية كمراكز دراسات ومخابر علمية متخصصة في ميدان التربية باستعمال
أدوات ووسائل علمية لجمع البيانات والمعلومات حول مختلف العمليات . وبعد التشخيص
والتقويم الموضوعي لمواطن الخلل، تأتي بعدها عملية الاصلاح والتي تستلزم إشراك
خبراء تربويين في كل العمليات التربوية إلى جانب مراكز الدراسات و مخابر البحث
العلمي، وفق مراحل، تسبقها عملية الاعداد والتكوين للممارسين الميدانيين من
المعلمين والمفتشين والمديرين حول المفاهيم والطرائق او والاستراتيجيات التعليمية
التعلمية الجديدة، وتهيئة الرأي العام وتحسيسه وتثقيفه ليساهم بايجابية في التعامل
مع المدرسة ومناهجها واهدافها وفلسفت إعداد أبنائها. ثم تليها عملية التجريب ثم
التنفيذ للاصلاحات.
كما أن قطاع التربية يحتاج أن يشرف عليه خبراء
استراتيجيين في التربية والتنمية وليس منصبا سياسيا عاديا بدليل أن ورزاء التربية
في كل دول العالم المتحضر يعينون من أهل الاختصاص في ميدان التربية.
8-في ظل هذه الإصلاحات ظهرت عدة
ظواهر، كالتسرب المدرسي في كل الأطوار، العنف المدرسي ومشكل التاطير و غيرهم. ما
تعليقكم؟ كلها مشكلات مستعصية تحتاج
إلى فتح نقاش معمق وصريح وبناء مع كل الشركاء والخبراء ومؤسسات المجتمع المدني
والسياسي. للتفكير جماعيا حول مستقبل أبنائنا
9-هل تعجلت الحكومة في مباشرة الإصلاحات دون أن تأخذ بعين الاعتبار البيئة
الجزائرية والإرث الثقافي و الحضاري لها؟ نعم تعجلت حكوماتنا
الجزائرية تتعجل في كل شيء، وفي نفس الوقت لا تشاور أهل الاختصاص ولا ترغب في
الاستماع لآي جهة علمية مختصة ؟ قد يكون ذلك استجابة لضغوط من مؤسسات دولية. أو
لاعتبارات أخرى، لكننا لا نعرف الأسباب الموضوعية والحقيقية لذلك. فالجواب عند
أصحاب القرار. بدليل الكثير من الأخطاء والفضائح التي ظهرت للرأي العام عبر وسائل
الإعلام المختلفة حول الكثير من القضايا والمشاريع التي اتخذت فيها قرارات بطرق
استعجالية.
10-نداء تودون أن توجهوه لجهات مسؤولة؟ نريد من المسؤولين في مختلف مؤسسات
الدولة الجزائرية أن يفتحوا نقاشا معمقا حول كيفية النهوض بالنظام التربوي لتأمين
مستقبل أبنائنا. وان يأخذوا بنتائج الدراسات الميدانية التي أجريت على مستوى
الجامعات الجزائرية من اجل الاستئناس بها والأخذ بنتائجها في علمية التقويم
والاصلاح التربوي.
11-كلمة أخيرة تفضلوا؟ أملنا أن
نرى مدارسنا وشهاداتها الرسمية تحض بالاحترام والتقدير من قبل المؤسسات الدولية،
وان تحتل جامعاتنا الجزائرية المراتب الأولى ضمن جامعات الإفريقية والعربية
والدولية بنوعية متخرجيها ونوعية إنتاجها المعرفي.
سطيف في 18 جانفي 2014
تقبلوا تحيات الدكتور
خالد عبد السلام
قسم علم النفس جامعة سطيف2

Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire