الجزائر الجديدة التي يطمح اليها الجزائريون؟
أ.د خالد عبد السلام. أستاذ محاضر بقسم علم النفس جامعة كحمد لمبن دباغين سطيف2.
الطموح إلى التغيير نحو الأفضل هو خاصية الانسان السوي والطبيعي، لأنه يرتبط ارتباطا وثيقا بغريزة الحياة التي تحرك دافعيته لتجاوز الروتين والملل، وتجديد النفس مع تصحيح الأخطاء والمسار الذي يوصل إلى الغد المنشود.
فمن السهل أن يرفع الانسان شعارات براقة تدغدغ مشاعر الناس والهائهم بها ليتوهموا انهم يعيشون عهدا جديدا. خاصة إذا تم توظيف أدوات إعلامية تسوق لتلك الأوهام ويجند لها مثقفون لتلميعها وتزيينها ومحاولة اقناع الناس للتسليم بها دون مناقشة ولا تمحيص رغم وجود كل المؤشرات على ديومة نس الذهنيات والخيارات والممارسات المألوفة منذ عقود خلت.
لكن عندما نرى الأفعال والخيارات تتناقض كلية مع الأقوال والشعارات يصعب علينا التصديق بالنوايا والاهداف. خاصة عندما نرى العودة إلى نفس الخيارات والممارسات والآليات التي عشناها قبل أحداث أكتوبر 1988 أو خلال العشرية السوداء أو خلال العشرين سنة الماضية من حكم بوتفليقة مع عودة نفس الوجوه والأحزاب التي سئم منها الشعب وطالب بمحاسبتها ولا ينتظر منها الكثير بعدما أظهرت عجزها وفشلها في إدارة شؤون المجتمع و حجم الفساد الذي مكنوا له وبرروه سياسيا وبرلمانيا واعلاميا وقانونيا من خلال تعديلات في قانون محاربة الفساد وغيرها، بل وسكتوا عنه لعقود من الزمن.
إن السعي نحو جزائر جديدة ليس بأمر مستحيل ولا صعب، بل يحتاج إلى الجدية والصدق في الشروع في الخطوات الأولى من الخيارات والقرارات والممارسات المُطمئنة للنفوس والتي تظهر القطيعة الحقيقية مع كل الخيارات والممارسات السابقة والوجوه التي كانت سببا في ما نحن عليه في بلدنا من تخلف وتبعية وانسداد سياسي وضعف اقتصادي ورداءة في كل المجالات أحالت دون الإقلاع الحضاري للجزائر نحو غد أفضل.
ان الجزائر الجديدة لا تصنعه الدعايات والشعارات المدغدغة للعواطف، ولا تصنعه نزوة شخص أو أشخاص أو جماعات معينة. بل يصنعه المجتمع بنخبه واطاراته وبكل مكوناته الاجتماعية. لأنه يعبر عن طموح مجتمع والذي يتبلور عبر الحوار والنقاش والتفاعل والتلاقح بين مختلف الأفكار، الرؤى، التصورات والمشاريع والحلول الممكنة لما يجب ان نكون عليه في المستقبل. مع مراعاة مبدئين أساسيين وهما:
1ـ مبدأ التراكمية للخبرات والتجارب لإنضاج الخيارات والحلول الممكنة والجيدة التي تستوعب كل الجوانب الضامنة للنجاح. عن طريق فتح ورشات ومشاريع للبحث والتفكير والحوار والنقاش المجتمعي أفقيا وعموديا في كل مؤسساته، لا سيما الجامعات ومراكز البحث ووسائل الاعلام العمومية والخاصة والمتخصصة وفي المراكز الثقافية ودور الشباب وحتى في المساجد. حول كل القضايا والمشكلات الفعلية والواقعية التي يواجهها المجتمع، لا سيما مشكلة الشرعية السياسية والتداول السلمي على السلطة، والحريات الفردية والجماعية، استقلالية العدالة ودولة القانون، والتوازن بين السلطات، ومشكلات التربيةـ والتعليم والتكوين وصناعة الانسان، وكذا المشكلات القيمية و الثقافية، الاقتصادية والامنية والاستراتيجية. مع تقييم علمي موضوعي وواقعي للتجارب والممارسات السابقة التي تأكد فشلها عدة مرات من اجل الاستفادة من الأخطاء والهفوات والزلات المرتكبة. والعمل على توديعها وتجاوزها وعدم السماح بتكرارها. لآنه ليس العيب ان يخطئ الانسان، لكن العيب ان يكرر نفس الأخطاء.
2ـ مبدأ التدرج والمرحلية في عملية التغيير عبر مرافقة متأنية ومدروسة لكل الخطوات والمراحل دون اندفاع و لا تهور و لا تردد ولا تباطؤ ممل.
فالجزائر الجديدة التي ينشدها الشعب الجزائري استنادا الى الشعارات والمواقف الأفكار والتصورات التي تم طرحها خلال المسيرات والندوات والمقالات التي كتبت ونشرت وعبر عنها في المسيرات وعبر شبكات التواصل الاجتماعي و التي عبر عنها خلال حراكه منذ يوم 16 و22 فيفري 2019 لمدة أكثر من سنة والتي جمعناها وسنحاول بلورتها على الشكل الآتي:
ـ الشعب الجزائري يريد:
1ـ دولة مدنية بشرعية شعبية تجسد عبر انتخابات حرة، شفافة ونزيهة يختار فيها الشعب مسؤوليه دون توجيه ولا اكراه.
2ـ دولة يمارس فيها الشعب الرقابة على القرارات والخيرات عبر مؤسسات منتخبة يترشح لها الاكفاء والنزهاء وذوي الخبرة والعلم.
3ـ دولة يمارس فيها الشعب سيادته عبر مؤسساته الدستورية بعيدا عن الوصايات الداخلية، وبعيدا عن صراع الاجنحة والعصب والتكتلات وبعيدا عن الوصايات الأجنبية الغربية او المشرقية او المالية.
4ـ دولة يكون فيها القانون هو السيد وفوق الجميع رئيسا ومرؤوسين، وليس حكم الأمزجة والنزوات الشخصية، حيث يٌحقق بها العدل والمساواة بين الناس، وتحُمي الحقوق والحريات للجميع دون استثناء ويحارب فيها كل اشكال الظلم والاستبداد والفساد والتمييز بين الجزائريين، تشرف عليها عدالة مستقلة بعيدة عن كل الضغوط والوصايات والهيمنة الإدارية و السياسية.
5 ـ دولة تكرس الحريات الفردية والجماعية في ظل احترام القانون واحترام الغير مع حرية التعبير والتفكير والنقد البناء. لان الابتكار والابداع للحلول لمختلف المشكلات لا يكون إلا في ظل مناخ الحرية والشعور بالكرامة.
6ـ دولة تعزز وتشجع الحريات الإعلامية لتحقيق الحق في المعلومة الصحيحة والصادقة، وفي نفس الوقت، تمكين وسائل الاعلام من ممارسة أدوارها التنموية والتوعوية والرقابية خدمة للمجتمع والدولة معا.
7ـ دولة المؤسسات التي تحقق التوزان بين السلطات وتكرس الحكامة في التسيير والعمل الجماعي وليس دولة الأشخاص والعصب والتكتلات الجهوية والفئوية التي تكرس القرارات الفردية والانفرادية المبنية على الحسابات والحساسيات والمصالح الشخصية أو الفئوية.
8ـ دولة تكرس القيم والمبادئ والأخلاق السامية عبر مؤسسات التنشئة الاجتماعية والتربوية، وليس الدولة التي تطغى عليها الروح الانتهازية والمصالح الشخصية والفئوية و ثقافة التحايل والتزوير والفساد بكل انواعه ودرجاته.
9ـ دولة تحافظ على نعمة التنوع الطبيعي للثروة اللغوية، الثقافية والاجتماعية التي تميز المجتمع الجزائري لآنها من إرادة الله في خلقه، مع ضرورة تعزيزها وتطويرها بترسيخ ثقافة قبول الاخر وثقافة قبول الاختلاف والتنوع مع قيم التسامح الفكري والايديولوجي، الديني الثقافي والسياسي والعرقي لتحصين المجتمع من كل أشكال التعصب والتطرف والانحراف السلوكي، الاجتماعي السياسي والأمني.
10ـ دولة قوية ومتماسكة اجتماعيا وسياسيا بقوة الثقة التي تكسبها من شعبها عبر مؤسساتها وحكامها عن طريق أساليب التسيير الشفافة والنزيهة، مع الإخلاص والتفاني في العمل والدفاع عن مصالح الشعب الاستراتيجية والحيوية مع العدل في توزيع الثروات الخيرات.
11ـ دولة يكون فيها سلم القيم مبني على العلم والمعرفة وعلى الكفاءة والجدارة والاستحقاق وليس على النفوذ والعلاقات الشخصية ومنطق تقاسم الريع. حيث لا يجب أن يستوي فيها: الذين يعلمون والذين لا يعلمون، ولا العلماء مع الجاهلين، ولا الذين يعملون مع الذين لا يعملون، ولا الجادون مع الرديئين، ولا الاعمى مع البصير، ولا المخلص مع الخائن، ولا السوي مع المنحرف و لا العاقل مع الجنون ولا المنتج مع المستهلك ولا المجتهد مع الكسول.
12ـ دولة قوية باقتصاد متطور يستند إلى التنويع في مصادر الثورة مرتكزا على المعرفة، والبحث العلمي، ويعتمد أساسا حسب الأولويات على الفلاحة والصيد البحري، السياحة والصناعات التقليدية، الثورة المعدنية، والبترولية، والطاقات المتجددة، الثروة والإنتاج العلمي والثقافي في مختلف المجالات، الصناعات الصغير، المتوسطة والكبيرة...... الخ.
13 ـ اننا نريد دولة تثمن وتقدر دول العلم والعلماء والكفاءات وتحفز الناجحين وتدفعهم للتفوق والتميز، وتأخذ بيد الفاشلين والمتعثرين ليكونوا ناجحين ومتفوقين ومتميزين.
اننا نريد ان تكون مؤسسات الجزائر الجديدة تسير بنظام وميزان كما تسير أجهزة الجسم في الانسان، كل يؤدي دورها المتكامل مع الأدوار الأخرى دون تداخل في الصلاحيات والمهام و لا تجاوز لاي منها للأخرى تفاديا لأي خلل او اضطراب ينعكس سلبا على بينة المجتمع الدولة واستقرارها واستمرار وجودها.
هذه مجموعة أفكار اجتهدت في اعدادها وبلورتها على شكل نقاط اطرحها عليكم للنقاش والنقد والاثراء، لما لا البناء عليها لتوجيه انظارنا لعزائم الأمور التي تبني غدا أفضل لنا جميعا...
يوم 7 جوان 2020
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire