jeudi 27 février 2020

هل الاقبال على الدروس الخصوصية إقرار مجتمعي بفشل المدرسة الجزائرية؟


هل الاقبال على الدروس الخصوصية إقرار مجتمعي بفشل المدرسة الجزائرية؟
    الدكتور خالد عبد السلام قسم علم النفس وعلوم التربية والأرطفونيا جامعة سطيف2
      وجدت المدرسة منذ القدم أساسا كمؤسسة رسمية في كل المجتمعات لتؤدي مهاما تعجز الأسرة على أدائها وأوكلت لها وظيفة التربية والتعليم تساهم في بناء شخصية الإنسان وإعداده للحياة. كما تنمي فيه ذكاءاته وقدراته الابداعية والابتكارية وتطور مهاراته وكفاءاته في مختلف المجالات حسب ميول و اهتمامات كل متعلم ليكون إطارا متخصصا في المستقبل يتولى مسؤولية تسيير مختلف القطاعات الخدماتية والاقتصادية والمالية والطبية و الصحية والاجتماعية والتكنولوجية وغيرها التي يحتاجها المجتمع.
    و هي من المهام الحصيرية للمدرسة في مرحلتي الطفولة والمراهقة لتتولى بعدها مؤسسات أخرى عملية التكوين والإعداد المهني والتكوين العالي استكمالا لما قدمته المدرسة كتربية قاعدية وأساسية للمتعلمين.
   والمدرسة هي من بين أهم المؤسسات المجتمعية التي تساهم في تحقيق مشاريع التنمية الاجتماعية للمجتمع عن طريق إعدادها للكفاءات والإطارات المناسبة والضرورية في كل قطاع من قطاعات المجتمع الاقتصادية والخدماتية.
    غير أنه عندما نلاحظ  الانتشار الكثيف لما يسمى بالدروس (الخصوصية) أو (دروس الدعم) في كل المستويات ابتداء من السنوات الأولى من التعليم الابتدائي حتى السنة الثالثة ثانوي و حتى في بعض التخصصات بالجامعات الجزائرية كاللغات وغيرها في المدن والأرياف يدفعنا إلى طرح الكثير من التساؤلات مصداقية المدرسة الجزائرية وقدرتها على تحقيق أهدافها و قدرتها على تقديم خدمات تربوية نوعية للمتعلمين.
   فهل إقبال الأولياء على تسجيل أبنائهم في الدروس الخصوصية ابتداء من السنوات الأولى من التعليم الابتدائي وصولا إلى التعليم الثانوي يعني ضمنيا اعتراف مجتمعي بفقدان ثقتهم بالمدرسة الجزائرية؟
   أم هو اعتراف بفشل المدرسة على أداء دورها ورسالتها؟ أم يعتبر إقرار شبه رسمي بعجز المدرسة على عدم قدرتها على أداء مهامها التربوية والتعليمية بإتقان؟
   و هل يعبر ذلك أن المعلمين والأساتذة أنفسهم الذين يفتحون أقساما في كل مكان، يعترفون ويقرون ضمنيا للمجتمع أنهم لا يقدمون شيئا يفيد أبناءنا أو أنهم لا يفيدونهم بالدروس المبرمجة في المدرسة وبالتالي يدفعونهم بمختلف الطرق للتسجيل في الدروس خارج المدرسة؟
    وهل يدل هذا الإقبال الكثيف أن مبدأ مجانية التعليم ومبدأ تكافؤ الفرص اللذان تتبنيانهما الدولة الجزائرية في دستورها أصبحا مهددين وآيلين للزوال بمرور الزمن مادام الكثير من الجزائريين ينفقون ملاين على أبنائهم في الدروس الخصوصية و فئات اجتماعية أخرى لا تستطيع إنفاق ذلك؟ هذا من جهة.
  حجم الدروس والقدرة على الفهم الاستيعاب:
   هل يستطيع أبناءنا فهم واستيعاب هذا الحجم من الدروس التي تقدم لهم في المدرسة وفي الدروس الخصوصية طيلة الأسبوع وخلال العطل؟
   وكيف نطالب جميعا أولياء ومعلمين ومختصين بتخفيض حجم الدروس وفي نفس الوقت نكثف حجم الحصص والدروس لأبنائنا خارج المدرسة؟
  وماذا يفعل أبناءنا داخل المدرسة إن كانت الدروس قد درسوها و قدمت لهم خارجها؟   
  وهل يعني هذا الإقبال الكثيف للدروس المسماة خصوصية أن أبناءنا لا يفهمون ولا يستوعبون ما يقدم لهم في المدرسة؟ أم أنها موضة العصر يتسابق عليها الناس دون النظر لفوائدها؟  
   المسؤولية عن الوضع بين الأولياء ووزارة التربية والمؤسسات الأخرى:
    و من زاوية أخرى نتساءل أيضا، كيف يُقبل الأولياء وأبنائهم على مثل هذه الدروس الخصوصية التي تقدم في أماكن لا تتوفر على أبسط الشروط الصحية والأمنية و التربوية؟ حيث كثيرا ما نجدها:
      1 ـ تقدم إما في مرائب أو في قاعات تحت الأرض أو في شقق غير مهيئة للتدريس والعمل التربوي أصلا.
      2 ـ تفتقد الكثير منها إلى الشروط الفيزيائية كالإضاءة اللازمة والتهوية والحرارة المناسبة.
      3 ـ يستقبل فيها أعدادا كثيرة من المتعلمين يتجاوز متوسطها في الكثير من هذه الأماكن 60 تلميذا وفي بعضها خاصة في الفصل الثالث 120 تلميذ في بعض المواد الدراسية كالمواد العلمية (فيزياء ورياضيات والفلسفة).
     4 ـ لا تتوفر على الشروط التربوية والصحية و الأمنية.
     5 ـ بعيدة عن مراقبة ومتابعة وإشراف المؤسسات الإدارية التربوية والأمنية.
 ـ ونتساءل كيف يتخلى الجميع أولياء ومسؤولين عن المدارس التي:
     1 ـ تتوفر على قاعات مجهزة و مهيأة للتربية والتعليم .
     2 ـ لا يتجاوز عدد تلامذتها في كل قسم في المتوسط 45 تلميذا.
     3 ـ وتقدم في ظروف صحية و أمنية وتحت إشراف ومراقبة وعلم كل المؤسسات الإدارية والتربوية و الأمنية.
    و تبرمج فيها حصصا رسمية خاصة بالاستدراك للمتأخرين دراسيا و دروسا للدعم لجميع المتعلمين؟
  وكيف تنظم تجمعات غير مرخصة ولا معتمدة ولا مؤمنة في أماكن عمومية قد تتعرض لأخطار مختلفة دون تدخل السلطات المختصة لتنظيمها أو منعها؟
  وكيف تجرى نشاطات تجارية مربحة أمام أعين جميع المؤسسات دون تدخل الهيئات المختصة لإخضاعها للضرائب على غرار كل النشاطات الأخرى الرسمية؟
 تساؤلات حول أداء المعلمين والأساتذة داخل وخارج المدرسة: 
  ـ ونتساءل كيف لمعلم أو أستاذ يقدم عدة دروس لعدة أفواج لعدة مستويات دراسية خلال الأسبوع وخلال العطل الأسبوعية والفصلية أن يوفق بين عمله في المدرسة وخارجها؟
   ـ و كيف يكون أداء المعلمين والأساتذة خلال ساعات التدريس بعد الجهد المضني الذي يستنفذونه في مثل هذه الدروس الخصوصية كل أيام الأسبوع والعطل؟
   ألا يؤثر كل ذلك سلبا علي أدائهم وفعاليتهم داخل المدرسة؟
  ألا يؤثر كل ذلك على طريقة تدريسهم وشرحهم للدروس في المدرسة؟
  ـ ونتساءل كيف يشتكي الكثير من المعلمين والأساتذة من الاكتظاظ داخل الأقسام التي قد تصل في الكثير منها إلى أكثر من 45 تلميذا، و هم يدرسون أقساما تحتوي في غالبيتها على أكثر من 60 أو 70 وحتى 120 تلميذا لدى البعض، في مرائب وقاعات غير مهيأة للتربية والتعليم دون أي حرج أو احتجاج؟
 ألا تؤثر مثل هذه الدروس في عملية تقويم التلاميذ من قبل الأساتذة بتقديمهم امتيازات للذين يسجلون أنفسهم عنده؟
ألا تقدم تحل تمارين ومسائل في الدروس الخصوصية ثم تقدم نفسها في الامتحانات الفصلية، لإبراز تفوق المسجلين لدى معلميهم وأساتذتهم؟  
  فهل مثل هذا الأمر الواقع المفروض بطريقة غير رسمية يعبر عن تهرب الأولياء و كل المؤسسات الرسمية الأخرى عن مسؤولياتها اتجاه تربية أبنائها؟ أم أنه تساهل  مقصود وغض للطرف لإسكات المعلمين والأساتذة عن مطالبهم بتحسين وضعهم المادي والاجتماعي؟ أم هو تسيب وإهمال لدور المدرسة لتحطيمها وبالتالي تكريس الفوضى في عملية التربية والتعليم والتي ستنعكس سلبا على واقعنا الاجتماعي بتكريس الرداءة في كل مجالات حياتنا؟
 ضرورة التدخل لمعالجة الوضع:
     ألا يمكن التدخل كأولياء للتلاميذ وكمختصين في مختلف العلوم النفسية والتربوية والاجتماعية و كمسؤولين في مختلف القطاعات والمستويات من اجل معالجة مثل هذه الاختلالات وإعادة تنظيم مثل هذه الدروس الخصوصية داخل المدارس الرسمية التي تتوفر على شروط التعلم ؟
     ألا يمكن تثمين ساعات العمل وجهد المعلمين والأساتذة في تقديم دروس الدعم والاستدراك في المدارس بمساهمة الأولياء أنفسهم ودعم من المؤسسات الرسمية وتحت إشراف ومتابعة الإدارة التربوية والأجهزة المخولة قانونا، من أجل توفير ظروف بيداغوجية و أمنية وصحية لتعلم أبنائنا؟
    ألا يمكن مراقبة الأماكن التي تنظم فيها مثل هذه الدروس وإخضاعها لاجراءات الاعتماد الرسمية وفق دفتر للشروط؟
   ألا يوجد هناك عقلاء منا كأولياء ومربين ومسؤولين في مختلف المستويات يجيب على مثل هذه التساؤلات ويضع النقاط فوق الحروف لنعيد النظر في هذا  الواقع المتردي لمدرستنا وننقذ أبناءنا من مستقبل مجهول؟
    إننا نريد أن يعمل المعلمين والأساتذة في أحسن الظروف والشروط لإفادة أبنائنا وتطوير ملكاتهم وقدراتهم.
   ونريد من مدارسنا أن تنافس مدارس الدول السائرة في طريق النمو و الدول المتقدمة بنوعية التربية والتكوين التي يقدمها المعلمين والأساتذة لتطوير مجتمعاتنا أكثر.
   ونريد أن يحظى معلمينا وأساتذتنا بكل المكانة اللائقة بقداسة الرسالة والأمانة التي كلفوا بها.
   ونريد أن يحظى أساتذتنا ومعلمينا بالأجر والظروف الاجتماعية الجيدة و المناسبة لجهودهم، التي تحفظ لهم الكرامة والعزة وتحفزهم على الاجتهاد والعمل أكثر فأكثر لتحسين مستوى تربية وتعليم أبناءنا الذي يعتبرون إطارات الغد.
  ونريد من كل هذا مدرسة تعد إطارات وكفاءات لا مدرسة توزع الشهادات.
     فإذا كان وراء كل رجل عظيم امرأة فإنه أيضا وراء كل إطار وكفاءة في أي إدارة ووزارة معلم وأستاذ.
 ونريد كل هذا في إطار تنظيم رسمي وقانوني تحت إشراف ومراقبة كل المؤسسات المعنية تربويا وإداريا وامنيا وتجاريا. بعيدا عن الترابندو التربوي الذي شوه أداء مدرستنا.  
   إنها تساؤلات أثرناها حول هذا الموضوع من أجل لفت الانتباه كل المسؤولين قبل تفاقم أزماتنا الاجتماعية أكثر فأكثر، فتفقد مدارسنا مصداقيتها وهيبتها أمام المؤسسات الدولية وخاصة منظمة اليونسكو.
 وعالجنا الموضوع بهذا الأسلوب على شكل تساؤلات لنثير التفكير والنقاش حول مستقبل أبنائنا، فهل من مساهم في النقاش والنقد والاقتراح للحلول الممكنة؟

                                                           سطيف في 11 أفريل 2015
الدكتور خالد عبد السلام قسم علم النفس جامعة سطيف 2


Aucun commentaire: