إعداد الدكتور خالد عبد السلام قسم
علم النفس وعلوم التربية وجامعة محمد اليمين دباغين سطيف2
عجيب امر مجتمعاتنا العربية
والاسلامية، تتبادل الشتائم والسباب والتكفير والتفسيق فيما بينها حول قضايا فقهية
وفكرية واحقية كل منها في تولي مناصب المسؤولية في هياكل الإدارة والسلطة، وتتجادل
حول قضايا هامشية وتافهة تشغل بها تفكير المجتمع وتحرفه عن جوهر القضايا (كثقافة
الاختلاف والتنوع والاعتراف بالآخر والتأسيس للحياة المشتركة دون اقصاء ولا تهميش
لآي طرف للآخر)، و كل منها تتحالف مع شياطين العالم وتدعي انها تريد الخير
لشعوبها.
وفي نفس الوقت نشاهد في المباشر دولا عظمى تتنافس فيما بينهاللنفوذ في أراضينا
و دولنا و تتفاوض فيما بينها حول كيفية تقاسمناكمناطق نفوذ بينها، كما تتفاوض
نيابة عنا في تحديد وتقرير مصيرنا وكأننا ما زلنا قصر وغير ناضجين ولسنا مؤهلين
لتحديد مصيرنا بانفسنا. حيث نشاهد مفاوضات سرية وعلنية بين روسيا وامريكا في منطقة
الشرق الأوسط ( سوريا والعراق) و تنافس بين فرنسا وايطاليا وامريكا وروسياعلى النفوذ
والسيطرة على افريقيا من بوابة ليبيا والسودان ( الدول الغنية بالثروات الطبيعية
والموقع الجغرافي الاستراتيجي).
وفي المقابل نجد دولا عربية وجماعات إسلامية همها ومهمتها ورسالتها عبر
التاريخ هي تغذية الكراهية الدينية والمذهبية والعرقية بين العرب والمسلمين عبر
إعلامها وفضائياتها وخُدامها من المفكرين والاعلاميين ورجال الدين والجامعيين
والسياسيين، ومجندي الفايسبوك، و تمول جماعات ارهابية ( وتسميها زورا وبهتانا ثوار
أو معارضة مسلحة) و التي تدربها امريكا وبريطانيا وفرنسا بدعوى الجهاد ( جهاد
المسلم ضد اخيه المسلم) وتحرير العباد (من المستبد ليعوض بمستبد آخر أشد على ظهر
دبابة وطائرة عسكرية؟) لتزيد دولا عربية اخرى فوضى ودمار وتشريد وتمزق. وكأن ما
حدث في أفغانستان في ثمانينات القرن الماضي من دعاية للجهاد لمحاربة الالحاد
وبعدها ستحر فلسطين، عبر الترويج لكرامات المجاهدين ومعجزات انجزوها من خلال تدمير
الدبابات الروسية بضربهابالرمال والحجارة، وان الملائكة أصبحت تشارك المجاهدين في
قتالهم مثل غزوة بدر الكبرى لدحر الكفر قد
نستها الأجيال الناشئة ولم تتعلم منها.( كأن مروجي هذه الدعيات والاكاذيب للتأثير
على العواطف والقلوب يملكون علم الغيب وأصبحوا يرون حتى الجن و الملائكة، ويعرفون
ان كل من شارك إلى جانبهم سيدخل إلى الجنة في حين انهم لا يستطيعون الإفتاء
لأنفسهم بضمان الجنة). حيث اتضح فيما بعد ان العملية ما هي إلا حرب جيو استراتيجية
أمريكية غربية لتحطيم المعسكر الشرقي وتولى أمريكا السيطرة على العالم وفق نظام
أحادي القطب. وان الجهاد كان أمريكيا بامتياز، وان من كانوا يسمون زورا مجاهدين في
الاعلام العربي والغربي ما داموا حلفاء للغربفي صراعه مع الاتحاد السوفياتي أصبحوا
إرهابيين أرسلوا إلى دولهم لتدميرها وتخريبها ولم يرسلوا إلى فلسطين كما كان زعماء
الحرب وزعماء الحركات الإسلامية يروجون لذلك عبر الخطب المسجدية والإعلامية و
الأشرطة السمعية البصرية التي ما زالت موجودة لدى الكثير منا( راجع كتاب الهيمنة
ام البقاء لتشومسكي محاولة أمريكا السيطرة على العالم ص 80 إلى 180). التاريخ يعيد
نفسه في سوريا والعراق اليوم أليس كذلك؟
والبعض الاخر من الجماعات السياسية والدينية مازالت تسوق وتروج لأوهام وأكذوبة
محاربة الاستبداد والديكتاتوريات وتحقيق الديمقراطية في مجتمعاتنا عبر هذه
الممارسات التدميرية و العمليات العسكرية الخارجية. وكأنهم يريدون منا أن نرى
ونسمع ونفهم ونستنتج عكس ما يحدث حولنا ونعيشه ونشاهده في المباشر ونقرأه في
دراسات ومقالات ووثائق رسمية حول خلفيات الصراع الدولي في منطقتنا العربية، منذ أفول
الخلافة العثمانية التي تكالبت عليها نفس الدول و الامم الاستعمارية وقسمتها إلى
دويلات وفق مخطط سايكس وبيكو إلى فترة الثمانينات من القرن الماضي في الحرب
الأفغانية. وكأن هؤلاء مازالوا يصدقون الكلمات والمفردات والدعايات التي يروجها
الغرب الاستعماري عندما يستعمل قضايا حقوق الانسان والديمقراطية والحريات ليس
كخيار في دولنا لآنه لا يؤمن بها ( راجع نفس الكتاب لتشومسكي وكتاب تفتيت الشرق
الأوسط لجيرمي سولت)، بل لابتزاز أنظمة ودول لا تريد السير في فلكها ولا تريد
الخضوع لإملاءاتها وإرادتها. ألم تتعلم مجتمعاتنا وهذه القوى والحركات من تجارب
الانقلابات العسكرية والعمليات الاجرامية التي نظمتها هذه الدول الاستعمارية
أمريكا وبريطانيا وفرنسا في أمريكا اللاتينية ودول أفريقية وفي فلسطين ضد أنظمة
منتخبة ديمقراطيا؟ ألم تتعلم الدروس من تدعيم هذه الدول الاستعمارية نفسها التي
تروج للديمقراطية والحريات زورا وبهتانا، لأنظمة قمعية ديكتاتورية كالفاشية في
إيطاليا والنازية في أوروبا وتشاوسيسكو في رومانيا والأنظمة القمعية في الدول
العربية والاسلامية( تشومسكي كتاب الهيمنة ام البقاء ص 110/140)؟
وفي المقابل نجد التيارات العلمانية
تعتبر نفسها الأكثر تنويرا والأكثر حرصا على مصلحة الشعوب، وان الديمقراطية تنتج
الفوضى وتفقد السلم في المجتمع و تتهم كل من ينافسها بالخيانة والعمالة للحارج
وعدم القدرة على التسيير وغير ذلك من الاتهامات والتبريرات لاحتكار السلطة
والتسيير لشؤون المجتمع. وبالتالي ضاعت مجتمعاتنا بين هؤلاء وهؤلاء. في حين ان لا
أحد منهما استطاع احداث نقلة توعية وبناء مشروعا حضاريا يخرجنا من التخلف.
إلى متى يستمر بعض السياسيين وبعض الجماعات ذات القناع الديني في استغباء
عقولنا والاستهتار بمشاعرنا وعواطفنا؟ و إلى متى تبقى شعوبنا تجتر نفس الأخطاء
التاريخية ولا تتعلم من دروس الحياة والتاريخ؟ وإلى متى تبقى شعوبنا ومجتمعاتنا
تلدغ من نفس الجحر عدة مرات؟ هل نحن ضحيا العولبة الاعلامية لعقولنا أم اننا شعوب
لا تقرأ ولا تفهم، و تتبع كل من يغني لها وتسلم لها عقولها لتفكر مكانها وفق
قاعدة: [ أيها العبد المأمور لا تفكر، إن الشيخ والامام والملك والزعيم،
والاعلامي يكفر مكانك، فانت مازلت قاصرا ولا تستطيع التمييز بين ما ينفعك وبين ما
يضرك]؟
متى يتنازل العلمانيون والاسلاميون عن ايديولوجياتهم وعصبياتهم، وثقافتهم
الاقصائية لبعضهم البعض، ليؤسسوا ثقافة الاختلاف والتنوع والتعايش السلمي فيما
بينهم، ويساهموا في بناء مشروع فكري يجمع كل أبناء الوطن والامة دون تهميش ولا
اقصاء لآي كان، ويتحرروا من التبعية المقيتة للهيمنة والتحالفات الاجنبية؟
ومتى يستطيعالمفكرون العرب والمسلمون في كل دول العالم إثارةالتفكير في كيفية إعداد
مشروع (القطب الاسلامي) ليكون لنا كلمة ومكان ضمن الأقطاب العالمية التي
تتشكل وتتبلور في بداية هذا القرن الواحد والعشرين وللآسف على أراضينا وعلى أشلاء
ودماء أبنائنا واخوتنا وعلى حساب امننا واستقرارنا و على حساب مشاريع تنميتنا
ونهضتنا وفق ما يسمى الحرب بالوكالة؟
إنها أسئلة مطروحة للنقاش لعلنا نخرج من دوامة اجترار النقاش الايديولوجي
العقيم الذي لم ينفع أي جهة ولا أي طرف في عالمان العربي والاسلامي، ولم يستطع
تقديم مشاريع نهضوية ولا حلول لمشكلات مجتمعاتنا. كما لم يستطع ان يكون بديلا
للمشاريع الاستعمارية منذ قرون من الزمن، بل زاد امتنا كراهية ودمارا وتقسيما
وآلاما وتخلفا؟
فهل تتجرأ هذه الجماعات والتيارات على نقد ذاتها ومراجعة قناعاتها وافكارها
وطروحاتها وتوجهاتها وعواطفها لتعترف ان الحياة تسع الجميع ولا تضيق بأحد ويعترف
كل بالآخر بوجوده وحقه في التعبير والتفكير لتهئي الجو للحوار والتواصل مع الطرف
الاخر للتلاقي معه و النظر إليه كشريك في الحياة وليس كعدو يعملان يدا بيد وقلبا بقلب
لبناء مستقبل مشترك ومشرق؟
ألا يدرك هؤلاء جميعا أن الحياة تسع
الجميع و لا تضيق بأحد بل خلقت للناس جميعا باختلافاتهم وتنوعهم الفكري والديني والعرقي واللغوي، إلا من
ضيقها على نفسه و كان تفكيرهضيقا وعقله قاصرا وميزاجه مريضا بوسواس الآخرفلا يرى حق
الوجود و الحياة إلا لنفسه؟
ألا نستطيع استلهام الدروس من
الطبيعة المادية التي نستمتع فيها وبها بتنوع نباتاتها وأزهارها وأعشابها وأحجارها
وبحارها ووديانها ومياهها وتنوع كائناتها الحية، وتنوع معادنها وثرواتها الطبيعية
وثمارها وخضرواتها و تنوع عسلها وبصلها,,,,,, وغيرها، إلى درجة أن كل عاقل منا يدرك
ويعترف ضمنيا أن سر جمال الطبيعة وطعمها وفوائدها تكمن في تنوعها واختلافها
وتكاملها، أفلا نقبل هذا التنوع والاختلاف والتكامل فيما بيننا كبشر؟ ألا نلاحظ أن
تفكيرنا يخالف الطبيعة والوجود لذلك لم نستطع العيش معا في أمن وسلام؟
ألا نستطيع استلهام وتعلم الدروس كذلك من المجتمعات المتقدمة والدول العظمى
التي تتوفر على عدة قوميات وأعراق واديان ولغات وايديولوجيات ومذاهب فكرية ودينية
وتتعايش فيما بينها في أمن وسلام ووئام في ظل دولة وسلطة القانون، لا عنف ولا صراع
ولا كراهية و لا عداوات ولا حروب؟ في ذلك فليتنافس المتنافسون. للنقاش.
سطيف في
03/08/2016
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire