dimanche 10 juillet 2016

متى يتحرر الأساتذة الجامعيون من عقدهم النفسية وعصبياتهم ليؤدوا رسالتهم في المجتمع؟


الدكتور خالد عبد السلام قسم علم النفس جامعة محمد اليمين دباغين سطيف2
كثيرا ما يشتكي الكثير من الأساتذة الجامعيين في كل الجامعات الوطن من كل أشكال الظلم أو (الحُقرة) و العنف النفسي و المعنوي الذي يُمارس عليهم من قبل الإدارات والهيئات الجامعية على مستوى الأقسام او الكليات او على مستوى مديريات الجامعة. والكثير منهم يتناقلون مختلف الأخبار والممارسات والقصص التي تحدث هنا وهناك، حتى أصبحت أحاديثهم اليومية في كل جلساتهم الخاصة. لكننا لو حاولنا مقاربة الموضوع من زاوية أخرى، سنكتشف أن الذي يُهين الأستاذ الجامعي ويقلل من مكانته وقيمته هو الأستاذ نفسه، من خلال ممارسات وتصرفات الكثيرين في كل المستويات. و نقول بصراحة أليس الكثير منا إن لم نقل غالبيتنا انخرطوا في ثقافة المصالح الشخصية والامتيازات الريعية الانية ذات العلاقة بالترقيات العلمية والإدارية والتربصات العلمية بالخارج وغيرها؟ ألا نلاحظ ان الكثيرين منا قد جعلوا أنفسهم يخدمون عصبا وتكتلات وفئات معينة ويتصرفون بمنطق تصفية الحسابات والانتقام في كل مناسبة يقع أي طرق بين أيدي الطرف الاخر على حساب الأدوار الريادية والرسالية في الجامعة والمجتمع؟ ألا نلاحظ أن الكثير منا يستسلم ويسكت عن كل التجاوزات الإدارية والقانونية التي تحدث في كل الهيئات العلمية والإدارية، والتي كثيرا ما أثرت على مصداقيتنا نحن كأساتذة و على مصداقية الفعل البيداغوجية والبحثي وعلى مصداقية الشهادات الجامعية وسمعة الجامعة نفسها؟ ألا نلاحظ أن الكثير منا قد سمح لكل من هب ودب بالتدخل في مهامه و صلاحياته وأدواره العلمية و البيداغوجية والبحثية في الجامعة سواء كانوا موظفين أو أعوان أمن أو إداريين أو مواطنين من الشارع ؟ ألا نلاحظ مثلا في نهاية كل سداسي وفي كل نهاية سنة الكثير الأساتذة الجامعيين يستجيبون لرغبات وطلبات زملائهم و طلبات الإداريين والموظفين والعمال والتجار وغيرهم بتقديم نقاط عشوائية لأبنائهم وجيرانهم او أبناء أصدقائهم من الطلبة والطالبات، بعضهم لا يحضر إلى الجامعة أصلا، والبعض الاخر ألف النجاح بالتدخلات والوساطات في كل مسارهم الدراسي والجامعي؟ ألا نلاحظ لجوء بعض الأساتذة إلى الإدارة لتعديل وتضخيم النقاط بعد طلبات وردت إليهم دون حياء ولا روح مسؤولية؟ ألا نلاحظ الكثيرين من الأساتذة لا يسجلون غيابات الطلبة التي ينص عليها القانون الداخلي للجامعة والقرارات الوزارية لا سيما القرار رقم 711 المؤرخ في 03 نوفمبر 2011، ولا يحسبونها و البعض لا يبالي بها أصلا حتى لا يحرجه أصدقائه أو جيرانه أو أناس آخرين؟ ألا نلاحظ أن الكثير منا يتساهلون أو يسكتون عن الغش في الامتحانات والسرقات العلمية لأعمال يشرفون عليها ولا يطلعون عليها ولا يراجعونها إن كانت من جهد و عمل الطلبة أم هي أعمال مسروقة؟ ألا نلاحظ تهافت الكثير من الأساتذة على احتكار الاشراف على عدد كبير من المذكرات دون قدرتهم على متابعتها وتصحيحها فيتركون الطلبة يفعلون ما يشاؤون فيها (نقل حرفي خلط للمعلومات وتزوير وتلفيق لبعضها الآخر)؟ ألا نلاحظ الكثير من الأساتذة يقبلون ان توضع أسماءهم على مذكرات ليسانس أو ماستر أو ماجستير او دكتوراه وهي مسروقة من الانترنيت ولا يتحرجون من ذلك؟ ألا يوجد فينا من يبرر السرقات العلمية ويدافع عنها بدعوى أن الجميع يسرق ويغش؟ ألا نلاحظ أن الكثير منا يعمل على أقصاء زملائه الاخرين في الاشراف والمناقشة والتدريس لا لشيء إلا من اجل الانتقام منهم عن موقف صدر منهم لم يعجبهم أو أنهم يختلفون معهم في التفكير أو يرفضون الانخراط في عصابتهم؟ ألا نلاحظ أن الكثير من الأساتذة يناقشون في اليوم الواحد أكثر من سبعة مذكرات تخرج في الماستر بطريقة ماراطونية ويتنقلون من قاعة إلى أخرى دون أن ينتبه أن ذلك تكريس للرداءة العلمية؟ ألا نلاحظ أن الكثير من مذكرات الماستر تناقش في وقت قد لا يتجاوز 20 أو30 دقيقة للواحدة؟ ألا نلاحظ الكثير من زملائنا تسلم لهم مذكرات الماستر في نفس اليوم الذي تناقش فيه بدقائق فقط ويقبل بمناقشتها دون الاطلاع على محتواها دون أخلاقيات مهنية؟ ألا نلاحظ ان الكثير من زملائنا الأساتذة يقدمون نفس النقاط لكل الطلبة في كل الأعمال التي يناقشونها الغث والسمين والمسروق دون معايير علمية؟ ألا نلاحظ الكثير من الأساتذة يقيمون مذكرات الليسانس بوضع أعلى علامة في كل الأعمال دون الاطلاع عليها؟ ألا نلاحظ أن مثل هذه التصرفات تسيء إلى الأساتذة أنفسهم وإلى رتبهم العلمية أكثر ما تشرفهم؟ ألا نلاحظ الكثير من الأساتذة الذين يتهاونون أو يقصرون في مهامهم وواجباتهم البيداغوجية بالغيابات المتكررة أو بالتحايل في أحيان أخرى، و عندما تقدم لهم الاستفسارات او تخصمن الايام من اجورهم نجدهم يفقدون توازنهم ويقيمون الدنيا ولا يقعدونها بالشكاوي والرسال المجهولة دون خجل و لا استحياء؟ ماذا نقول عن الكثير من الأساتذة الذين يقبلون أن تمارس عليهم كل أشكال الابتزاز سواء في نشر المقالات أو عند المشاركة في الملتقيات بإضافة أسماء من يبتزوهم من زملائهم الإداريين دون وجه حق ودون أن يشاركوا فعليا في إنجازها لا من قريب ولا من بعيد؟ وماذا نقول عن الكثير من الأساتذة الذين يتصلون بطلبتهم في الماستر او الدكتوراه او بزملاء لهم بإضافة أسماءهم ضمن مقالاتهم او مداخلاتهم في الملتقيات الوطنية والدولية لا لشيء إلا من اجل الحصول على شهادات المشاركة او الحصول على مقالات قصد توظيفها في الترقية أو في الترشح للحصول على منحة التربص قصية المدى؟ أليس كل ذلك غش وتزوير وتلفيق لمسيرتهم العلمية؟ فماذا نقول عن الكثير من الأساتذة الجامعيين الذين يتوددون إلى المسؤولين لربح رضاهم ونيل تزكيتهم لهم عن طريق الوشاية والنميمة والتجسس على زملائهم بنقل كل انتقاداتهم لهم حول أساليب التسيير الاداري البيداغوجي والعلمي؟ وماذا نقول عن بعض الأساتذة الذين كلفوا بمسؤوليات في الجامعة او الكلية يفتخرون بتعيينهم ليس لأنهم الأكفأ والأجدر في التسيير بل لأنهم أُولادْ لَبْلادْ أو أنهم من أعيان المدينة الذين يحق لهم تقلد المناصب العليا و المسؤوليات وكأن غيرهم العاملين معهم ليسوا جزائريين مثلهم؟ وماذا نقول عن مشاركة الكثير من الأساتذة الجامعيين في اللجان والمجالس العلمية والادارية و البيداغوجية و يحتلون مناصب فيها كأعضاء لتسجيلها في سيرتهم الذاتية لكنهم يمارسون مهمة الصمت ثم الصمت و تجنب النقاش والنقد و تقديم الملاحظات، ولا يرفضون و لا يناقشون أي قرار جائر او موقف مخالف للقانون او يتضمن ازدواجية المعايير؟ وماذا نقول عندما نجد أساتذة جامعيين وذوي رتب عالية يشكلون تكتلات وتحالفات فئوية وجهوية وإيديولوجية أو تخصصية ضد زملاء لهم ذنبهم انهم من مناطق أخرى او يدرسون في تخصصات علمية أخرى يكرهونها كرها شديدا؟ وماذا نقول عندما نجد أساتذة في مناصب المسؤولية الإدارية يبتزون زملائهم بكل شيء ويفرضون عليهم الوصاية على اختياراتهم في انتخابات الهيئات العلمية؟ وماذا نقول عندما نجد من يقبل أن تمارس عليه الوصاية والتصرف بما يملى عليه عكس رغبته واختياره؟ وماذا نقول عندما نجد مسؤولين يتابعون سير الأقسام أو الكليات أو الجامعات ليس عن طريق مجالسها وهيئاتها الإدارية والعلمية والبيداغوجية المخولة قانونا، بل بتكليف أساتذة أو ممثلي الطلبة أو أعوان الإدارة والأمن للتجسس على غيرهم من الأساتذة داخل الأقسام و في المدرجات أو في الكواليس و يضربون بذلك عرض الحائط بكل القيم الانسانية و أخلاقيات المهنة الجامعية؟ وماذا ننتظر من أساتذة اهتماماتهم اليومية هي الانشغال بعورات وأعراض غيرهم في كل مجالسهم و أحاديثهم الخاصة، ويفتخرون بمثل هذه الممارسات، أين يقدمون صكوك الغفران لفلان وعلان وصكوك الغضب والعقاب لآخرين؟ والعجيب في الأمر أن الكثير من مثل هؤلاء يدعون بالدين والأخلاق والإسلام وغيرها من الشعارات والأقنعة. وماذا نقول عندما تجد من الأساتذة الجامعيين من يسيطر على تفكيره ومعاملاته لزملائه الأفكار و الأحكام المسبقة والوساوس والصور النمطية السلبية التي يكونها عبر الوشاية والنميمة والغيبة؟ وماذا نقول عن أساتذة في المجالس العلمية و الإدارية والبيداغوجية يتواصلون بالسب والشتم والكلمات النابية والبذيئة وفي أحيان أخرى بالعضلات، بدل التواصل والحوار بالأفكار والحجج والبراهين العلمية والمنطقية، لا لشيء إلا لأن الكثيرين منا لا يستطيعون قبول الاختلاف والتنوع في الرأي ولا يحترمون مواقف و قناعات غيرهم الذي يرون بطريقة مخالفة لهم؟ وما نقول عندما نجد مسؤولين إداريين من الأساتذة لا يحترمون تقارير وقرارات واقتراحات الهيئات العلمية والادارية والبيداغجية المخولة قانونا لمهمة المتابعة والتقييم ويتجاوزونها، لتلبية رغبات ومصالح شخصية وفئوية معينة أو يستجيبون لضغوط الشارع حتى ولو كان أمرا غير قانوني ولا منطقي ولا علمي، أو كان أمرا يسئ لسمعة وهيبة الجامعة نفسها؟ وماذا نقول عن بعض الأساتذة الذين يشخصنون مشاريع التكوين والبحث والمخابر ويتصرفون فيها كملكيات خاصة أين يقصون من يشاؤون ويقبلون فيها من يريدون؟ وماذا نقول عن زملاء لنا يمارسون الوصاية على غيرهم، ويحددون لهم من يصاحبون ومن يعادون وكيف يتصرفون مع الآخرين، ونجد من زملائنا من يقبل بذلك دون خجل؟ وماذا نقول عن الكثيرين الذين يُعادون غيرهم ليس لأنهم أخطأوا معهم بل لأنهم يتعاملون مع من يكرهونهم أو لأنهم يختلفون معهم في طريقة التفكير والفهم؟ ونتساءل كيف لمثل هؤلاء الأساتذة الذين يمارس عليهم هذا النوع من الإرهاب الفكري والإذلال ويقبلون بلعب أدوار العبيد ويستسلمون لكل ما يملى عليهم أن نتّكل عليهم في أداء أدوار ريادية أو يخدموا رسالة الجامعة؟ وهل يمكن لمثل هذا النوع من الشخصيات أن يمارسوا حريتهم الأكاديمية وكرامتهم الإنسانية؟ فكل الوضعيات التي ذكرناها تعبر عن عدم السواء في شخصية الكثيرين منا، و عن عدم النضج النفسي والاجتماعي والمهني. وهي تشير إلى أعراض للعقد النفسية التي يعاني منها الكثيرين دون إدراكهم أنهم كذلك. كما تشير إلى ان تصرفات الكثيرين توجهها نزواتهم النرجسية والمرضية والعدوانية، أكثر ما توجهها رسالتهم في الجامعة والمجتمع. وقد تعبر أيضا على اننا تجردنا من مستوانا العلمي ومن كل معارفنا العلمية، ونقلنا إلى الجامعة كل مساوئ المجتمع ومظاهر التخلف التي نعيشها في محيطنا الاجتماعي والأسري، بدل أن ننقل إلى المجتمع القيم الإيجابية والنظرة العلمية للحياة. يعني أصبح منطق الشارع هو الذي يتحكم في تفكرينا وتصرفاتنا داخل الجامعة، ولم تفدنا العلوم والمعارف التي تعلمناها ونُعلمها للطلبة. وهي تؤكد أننا كثيرا ما نتصرف تحت ضغط عقدنا ونزواتنا السادية وانفعالاتنا و عواطفنا وتحت تأثير ثقافة الانتقام أكثر ما نتصرف تحت تأثير الواجب المهني و أخلاقيات المهنة أو بما تمليه علينا رسالتنا في الحياة وأدوارنا كنخبة مستنيرة في المجتمع. إذن نستخلص أن المسؤولون في الإدارات الجامعية هم أساتذة جامعيون كانوا يوما ما ضحايا لممارسات الذين سبقوهم وكانوا من الذين تذمروا منها واحتجوا ضدها يوما ما. ولكن للأسف الشديد أصبحوا اليوم هم أبطالها وصناعها بعد ما تولوا المسؤولية فيها وتقمصوا نفس الادوار.
كما أن الذين يقومون بالتعسف والعنف المعنوي والنفسي والإداري هم أيضا أساتذة وأعضاء في الهيئات العلمية والادارية والبيداغوجية للجامعة. فإذا كانوا يقومون بكل تلك الممارسات السلبية ضد زملائهم الأساتذة فإنهم يعتدون على أنفسهم وعلى كرامتهم هم أيضا. وبالتالي فالأستاذ عندما يحتقر زميله الأستاذ ويستهزئ به أو يذله معناه يحتقر ويذل نفسه لان القاعدة السيكولوجية تقول: "أن الانسان الذي يحتقر ويستهزئ أو لا يحترم الآخرين، فهو يعترف ضمنيا ولا شعوريا أنه يقبل أن يمارس عليه الإذلال". و ينسى الكثيرين من هؤلاء أن " تلك الآيام نداولها بين الناس" كما يقول الله تعالى في محكم التنزيل، فمثل هؤلاء المسؤولين سيتحولون يوما ما إلى مناصبهم الأصلية كأساتذة عاديين ويتولى من كان ضحية لعنفهم وتعسفهم وتجاوزاتهم إلى مسؤول عليهم، لذلك نسألهم إن كانوا يقبلون أن يمارس عليهم ما كانوا يمارسونه على غيرهم؟
فعلينا ان نغير ما في أنفسنا أولا من عقد و أحقاد وخلفيات و أحكام مسبقة، إذا أردنا ان يتغير غيرنا و من حولنا. أما أن نطالب بتغيير العالم و تغيير الآخرين دون أن نغير نحن ما في أنفسنا من قابلية للذل والهوان ومن حساسيات فكرية تخصصية و قبلية وعرقية وعشائرية ومهنية فذلك لن يغير من الواقع شيئا.
إذن عندما نحترم أنفسنا بأداء مهامنا و أدوارنا و نمارس حريتنا الأكاديمية بمسؤولية وبصراحة وجرأة عالية بعيدا عن الانفعالات وردود الأفعال، وبعيدا عن ثقافة الانتقام، وعندما نحترم بعضنا البعض كأساتذة، و نتصرف بمستوى راق من السلوك والتفكير الذي يليق بمقامنا، ونتقبل الاختلاف و التنوع الفكري والايديولوجي مع اقتناعنا بتكامل بعضنا البعض و ضرورة التعاون فيما بيننا، فإننا نكون قد وضنا خطواتنا الأولى في اكتساب مهارة فن العيش معا في ظل أسرة علمية واحدة، كأساتذة في كل المستويات سواء كنا مسؤولين او غير مسؤولين في الادارة او خارجها، ونكون قد تعلمنا فن التحضر وعلى ضوئها سيحترمنا الجميع. لأننا نكون قد قدمنا للآخرين نموذجا راقيا في السلوك والأخلاق والتفاني والالتزام المهني.
زملائي زميلاتي الأساتذة كم نحن في امس الحاجة إلى تجاوز حساسياتنا وعقدنا وانفعالاتنا واندفاعاتنا ومصالحنا الشخصية الضيقة. وكم نحن في حاجة لأن نكون أكثر نضجا وأكثر رزانة وأكثر حكمة وموضوعية، نرقى بتفكيرنا ومواقفنا وتصرفاتنا اتجاه أنفسنا واتجاه بعضنا البعض واتجاه غيرنا واتجاه المؤسسة الجامعية التي نعمل فيها، لنبرهن للتاريخ أننا فعلا نخبة المجتمع و حاملي رسالة في الحياة.
للمناقشة والنقد والاثراء سطيف في 16 جوان 2016 الدكتر خالد عبد السلام قسم علم النفس جامعة سطيف2

أي خير ننتظره من أمة تفرح للغش في الامتحانات وتشجع على ممارسته.

  الدكتور خالد عبد السلام قسم علم النفس جامعة سطيف2
عندما نقرأ حديث الرسول صلى الله عليه وسلم "من غشنا فليس منا" نفهم بشكل واضح وصريح أن الغش والخداع والتحايل في كل مجالات الحياة أمرا مرفوضا ومستهجنا بل ومحرما في الاسلام. و نفهم أيضا أن من يمارسه أو يفرح به او يشجع عليه لا يقبل أن يكون ضمن جماعة المسلمين. لأن ذلك يتناقض مع ملمح وصفات المسلم الذي يفترض أن يكون أكثر الناس جدية وأكثرهم أمانة وصدقا في عمله و علاقاته ومعاملاته. لأن الغش لغة واصطلاحا، حسب المناوي في كتابه التوقيف على مهمات التعاريف ص 252 يعني " كل ما يخلط من الرَّديء بالجِّيد" ويعني أيضا في كتاب لسان العرب: "عدم النصح والخداع" والذي يفترض محاربة كل مظاهره وأشكاله في المجتمعات الإسلامية أكثر من غيرها لاعتبارات دينية وأخلاقية.
   لكن عندما نجد أسئلة البكالوريا خلال فضيحة تسريبها في دورة جوان 2016 توزع في الأسواق والمقاهي والشوارع وترسل إلى البيوت عبر الهاتف النقال والبريد الالكتروني وعن طريق وسائط التواصل الاجتماعي مجانا، و نجد كل الناس تفرح وتبتهج (أولياء ومربين ومسؤولين وعامة الناس) ويتباهون أمام جيرانهم وأصدقائهم بحصولهم على أسئلة البكالوريا والأجوبة النموذجية ويتفاعلون مع الحدث وكأنهم حققوا إنجازا و انتصارا عظيما، و ضمنوا النصر والنجاح والتفوق لأبنائهم، عندها نطرح أكثر من سؤال حول ماذا بقي من شهامة و مسؤولية ومن قيم أخلاقية ومهنية فينا؟ ونتساءل ماذا بقي من دور ورسالة لمؤسسات التنشئة الاجتماعية لا سيما مدراسنا وجامعاتنا؟ وماذا بقي من مصداقية ونزاهة في عمليات التقويم التربوي في كل مؤسساتنا التعليمية؟ مادام الجميع يلهث ويتهافت على الحصول على المزيد من التسهيلات و المزيد من التواطؤ في ممارسة الغش لصالح أبنائهم. و ما دام لا أحد من هؤلاء رفض استلام الأسئلة أو الأجوبة النموذجية. ولا أحد قال أن هذا التصرف مشين لا يشرفنا. و لا أحد قال أنها مهزلة وعيب علينا أن نساهم في تعليم أبنائنا ممارسة الغش بهذه الطريقة المفضوحة. و لا أحد قال ان ذلك سيضر بمستقبل أبنائنا اكثر ما ينفعهم. ولا أحد قال ان مثل هذا السلوك يضر بسمعة ومصداقية المدرسة والشهادات الرسمية التي تمنح لأبنائنا في المنظمات الدولية كاليونيسكو و جامعات العالم.
   إنها فضيحة ليست خاصة بوزارة التربية الوطنية فحسب بل هي فضيحة للمجتمع الجزائري ككل يجب ان نتعرف بذلك. لآن كل مؤسسات التنشئة الاجتماعية بينت أنها تحبذ الغش وتشجع عليه وتفرح لممارسته وتوصي غيرها لتسهيله على أبنائها في كل المستويات التعليمية من الابتدائي حتى التعليم الجامعي.
    ألم يصبح الغش في الامتحانات جزء من الثقافة المجتمعية؟ عندما نحلل مختلف المواقف والسلوكات الملاحظة في المدرسة والجامع الجزائرية نكتشف ان الغش أصبح جزء من المنظومة الثقافية للمجتمع الجزائري. وإلا ماذا نقول عندما نجد الكثير من المفتشين والمديرين والمسؤولين في التعليم الابتدائي مثلا يقولون للمعلمين والأساتذة في الاجتماعات التنظيمية للامتحانات الرسمية، [ تهلاو في تلامذتنا راهم اولادنا وأولادكم ]، يجب ان تحتل مدرستنا ومقاطعتنا المراتب الأولى، يجب ان نحقق نسبة نجاح 100/100 - ويجب ان يتحصل أكبر عدد من تلامذتنا على معدل 10/10؟
      وماذا نقول عن الأولياء و المعلمين والأساتذة الذين يوصون الإداريين و رؤساء مراكز الامتحانات و الأساتذة المكلفين بحراسة الامتحانات الرسمية قبل اجراء الامتحانات بأن يتكفلوا بأبنائهم  وفق الصيغة الاتية" تهلاو في اولادنا ولا تُقلقُوهم أثناء الامتحانات"؟
      وماذا نقول عندما نجد بعض المديرين والمفتشين في مختلف المراحل الدراسية يضغطون على المعلمين والأساتذة لتغيير نقاط بعض من توسط لديهم من أجل ضمان نجاح أبنائهم او لرفع نسب النجاح في مقاطعاتهم ومؤسساتهم؟
     وماذا نقول عن معلمين أو أساتذة في التعليم الابتدائي والمتوسط والثانوي يقدمون إجابات للممتحنين في بعض المواد خلال الامتحانات الرسمية و يسهلوا عمليات الغش فيما بينهم؟     
     وماذا نقول عن أساتذة جامعيين ومعلمين وأساتذة في التعليمين المتوسط والثانوي عند نهاية كل فصل دراسي او نهاية كل سداسي بالجامعي قبل أو أثناء إجراء الامتحانات يقدمون لزملائهم الاخرين وريقات تحمل أسماء لتلاميذ وتلميذات ولطلبة وطالبات يقولون لهم [ تْهَلاَوْ فيهم] والبعض الاخر يتصل بهم أولياء من مختلف الشرائح الاجتماعية على مستوى بيوتهم  وإقاماتهم أو عبر الهاتف ويقولون لهم [ عاونا أو تْهَلاَّ في بني أو في بنتي أو في وليد عمي و وليد خالتي وبنت صاحبي او بنت جارنا أو بنت مديرنا او رئيس مصلحة، ومول التاج يحتاج  وغيرها من العبارات...]؟
    وماذا نقول عندما نجد أولياء في مختلف الادارات و المؤسسات العمومية والخاصة في نهاية كل سنة دراسة وجامعية يستعملون نفوذهم او يستعملون مختلف الوساطات لإنجاح أبنائهم عن طريق طلب تضخيم نقاطهم أو تقديم لهم نقاط لا تعبر عن مستواهم الحقيقي؟
   ماذا تعني مثل تلك التصرفات و الممارسات والتوجيهات التي يتناقلها كل أفراد المجتمع عامتهم وخاصتهم في كل المستويات؟ هل تعني طلب تحسين مستوى تلامذتنا وطلبتنا لتطوير ذكائهم وقدراتهم العلمية والابداعية أم أنها تعني إشباع النزوات النرجسية للمشرفين على المدراس والمقاطعات لتحسين صورتهم و الحصول على الترقيات والشهادات والتكريمات في نهاية كل سنة على حساب مستقبل أبنائنا؟ و هل تعني الحرص على خدمة مصلحة التلميذ و الطالب وعدم التهاون في دراسته، أم أنها تعني تقديم خدمات اجتماعية على شاكلة قفة رمضان التي توزع على المساكين والفقراء من الضمير المهني و من روح المسؤولية التربوية؟ 
    في ظل هذه الممارسات التي يصر عليها الجميع، نتساءل ماذا بقي من روح المسؤولية لدينا؟ و ماذا بقي من فروق ثقافية وعلمية بين العالم والجاهل وبين المربي أو الأستاذ و عامة الناس، مادام كلهم يفكرون ويتصرفون بنفس الكيفية والطريقة؟ وماذا بقي من مصداقية لعملية التقويم التربوي في المدرسة والجامعة الجزائرية؟
    ألا  يؤكد لنا ذلك أن القيم والمبادئ التي وجدت المدرسة والجامعة من اجلها قد تميعت وأصبح النجاح والربح مرهون بالقدرة على التحايل والتزوير والغش بكل الوسائل أكثر ما هو مرهون بالجهد والعمل؟
    التغطية الإعلامية للغش والاستثمار السياسي و الإيديولوجي للغش:
   وما يعرف لدى الكثير من المجتمعات المحترمة أنه عندما يظهر فيها الفساد او المرض او الخلل تتجند كل مؤسساته  وتتدخل لدراستها بطرق علمية و تتخذ إجراءات لمعالجة أسبابها وجذورها بناء على التشخيص العلمي لها. إلا أن ما يؤسف له في مجتمعنا الجزائري ان التناول الإعلامي كان فيه نوع من التحريض والتهريج بغرض الاستثمار السياسي والايديولوجي من قبل السياسيين والإعلاميين لتصفية حساباتهم و تحقيق مكاسب حزبية وإيديولوجية ضيقة على حساب مصلحة أبنائنا وعلى حساب رسالة ودور المدرسة والجامعة في المجتمع. و غيب فيها المعالجة العلمية الموضوعية باستضافة أهل الاختصاص في العلوم النفسية والتربوية والاجتماعية في مناقشة الظاهرة. ونتساءل هنا إذا كان مثل ذلك النقاش السياسي والايديولوجي القائم على تبادل التهم والسب والشتم لم يفد ولو مرة مجتمعنا في علاج أي مشكلة او ظاهرة اجتماعية أو تربوية فلماذا الإصرار على تكريسه و اجتراره بنفس الطريقة في وسائل الاعلام العمومية والخاصة إذا كان لا يفيد أحدا؟  وفي نفس الوقت ألا نلاحظ أن تلك النقاشات عقيمة قد كرست اكثر التفكير النمطي ( التفكير وفق قوالب جاهزة) وزادت في الاحتقان و زرع الغموض في المجتمع ولم تقدم أي حلول لمشكلاتنا؟ ألا نرى أن التصدر الإعلامي للسياسيين وعامة الناس في الكثير من القضايا العلمية والبيداغوجية كثيرا ما ساهم في تمييع النقاش الجدي وعزز ثقافة التهريج في المجتمع. ألا يمكن القول أن مثل هذه الممارسات الإعلامية تعتبر نوعا من الغش والخداع للعقول لتفكر خارج الموضوع.
انعكاسات الغش على السلوك أبنائنا: لقد تعلمنا منذ صغرنا انه "من جد وجد ثمرة عمله" ومن زرع حصد ثمار زرعه. فإذا زرعنا ثقافة الغش في أبنائنا بكل الطرق والأساليب سنجني حتما أفرادا مغشوشين في تفكيرهم وتصوراتهم وقناعاتهم فيرون في الغش والخداع والتحايل والتزوير فحولة وقفازة. ألا نرى الأجيال الناشئة تكرس ثقافة طاق على من طاق"؟ ألم يتجسد ذلك في كل مجالات حياتنا المهنية والعائلية في التجارة والصناعة والفلاحة والطب والاعلام وفي الاقتصاد والثقافة والرياضة، فقلبنا سلم القيم رأسا على عقب، حتى أصبح الجميع يتفنن في تقنيات الغش والتحايل من أجل النجاح والربح؟
   ألا نرى ان تسهيل الغش والتشجيع على ممارسته والسكوت عنه او التواطؤ معه يضر بمستقبل بأبنائنا أكثر ما ينفعهم ويضر بسمعة المدرسة والدولة ككل؟ ألا نرى ان أبناءنا يتحصلون على شهادات وألقاب علمية دون محتوى ومستوى علمي يؤهلهم لأداء مهامهم بنجاح في كل مجالات حياتهم؟ ألا نرى ان أبناءنا يخرجون من المدارس والجامعات ولا يستطيعون حل أبسط مشكلاتهم اليومية لأن تحصيلهم العلمي والمعرفي ضعيف جدا؟ ألا نرى ان المتخرجين من مدارسنا و جامعاتنا لا يعرفون حتى كتابة طلب التوظيف ولا كتابة رسالة او التعبير عن فكرة بلغة صحيحة وواضحة؟ ألا نرى جميعا ان أداء الكثير من المتخرجين من مدارسنا وجامعاتنا الجزائرية في ميادين توظيفهم رديئا للغاية؟
  ألا نشتكي جميعا من رداءة منتوجاتنا ومصنوعاتنا ومزروعاتنا، وخدماتنا الإدارية والطبية والتربوية والتجارية والصناعية و في كل مجالات حياتنا بسبب رداءة الموظفين الذين كوّناهم؟ ألا نشتكي جميعا من الغش والتحايل والخداع؟ بلى كلنا يشتكي من ذلك في كل مجالسنا الخاصة والعامة، والكل يعترف أن سبب ذلك هو تماهينا وتباهينا بالغش. والكل يعترف اننا لسنا جادينا في اعمالنا وفي تعليمنا وتربيتنا وفي خدماتنا. والكل يعترف مع نفسه ومع غيره أننا فقدنا روح المسؤولية.
 أليس  كل ذلك ناتج أساسا عن نجاح أبناءنا بغير استحقاق في مختلف الامتحانات، بالتدخلات أو بالتسهيلات أو بالتواطؤ او التضخيم للنقاط وغيرها؟ وعندما نعرف في قرارات أنفسنا بأننا ساهمنا في تكريس الرداءة في كل مجالات حياتنا، ألا يمكن تجريب طرق تفكير جديدة غير تلك المألوفة لدينا التي توارثناها من خلال التعلم الاجتماعي في معالجة مشكلاتنا الاجتماعية ولول لمرة واحدة؟ ألا يمكن ان نُعلم ابناءنا ان النجاح والربح يتحققان بالاجتهاد والعمل؟ ألا يمكن ان نعلم أبناءنا ان التربية والتعليم لا تعني الحصول على الشهادات بقدر ما تعني تطوير المهارات والقدرات؟ ألا يمكن ان نعلم ابناءنا ان التعلُّم والتعليم لا مجال فيهما للمجاملات والمحاباة؟ ألا يمكن تعليمهم ان الحياة كلها امتحانات تحتاج منا إلى تطوير ذكائنا و الاعتماد على أنفسنا وتوظيف قدراتنا الكامنة؟ بلى يمكن لنا تعليمهم كل ذلك، فقط عندما يعود نسترجع الوعي بروح المسؤولية في كل تصرفاتنا اتجاه مستقبل أبنائنا، و عندما نتحر من اللامبالاة في سلوكاتنا، و عندما نقتنع جازمين أننا لسنا ملزمين بالسير دائما وراء القطيع، عملا بقول الرسول صلى الله عليه وسلم:" لا تكونوا إمعة، إن أحسن الناس أحسنتم وإن أساؤوا أسأتم". وعندما نقوم بأدوارنا الرسالية كمربين وأساتذة في تقديم الدروس في الصرامة والنزاهة والموضوعية والانضباط وفق قواعد اخلاقيات المهنة التربوية لكل من تسول له نفسه الاتصال بنا والإساءة إلينا بمحاولة التأثير في نزاهة تقويمنا.
                                                         

                                                                    سطيف في 13 /06/2016

mercredi 13 avril 2016

متى يتحرر العرب والمسلمين من الأصنام الفكرية والدينية والمذهبية والحزبية التي لوثت تفكيرهم منذ قرون؟

متى يتحرر العرب والمسلمين من الأصنام الفكرية والدينية والحزبية التي لوثت تفكيرهم؟

    الدكتور خالد عبد السلام  قسم علم النفس وعلوم التربية والآرطفونيا جامعة سطيف2 الجزائر.

      لقد تحدث هنري كسينجر في ثمانينات القرن الماضي عن "حرب المائة عام المقبلة" في المنطقة العربية والإسلامية وقال فيما معناه: "سنغرق العالم الإسلامي في صراع بين السنة والشيعة على غرار حرب المئة عام بين الكاثوليك والبروتستانت.  وهي الحرب التي أعادت صياغة أوربا على هوى واضعي السياسة العالمية". http://swtmowatn.com)
    وهذا المشروع أصبح يتجسد يوميا عبر القصف الإعلامي العربي و الغربي وفي تصريحات الكثير من السياسيين والمحللين الذين يختارون بدقة عالية لترويج هذا الصراع من خلال تعمدها إعطاء الألوان الدينية و المذهبية للصراعات السياسية والإستراتيجية في المنطقة العربية والإسلامية بين القوى الدولية المتنافسة على ثرواتنا الطبيعية عن طرق  التركيز المقصود في وصف المتصارعين بانتمائهم العقائدي والمذهبي كما حدث في العراق وسوريا وحتى في مصر عند قتل العمال المصريين في ليبيا.   
     بينما نفس الإعلام الغربي والعربي يصف المواطنين الغربيين بانتمائهم الوطني عند كل حدث سياسي أو امني في بلدانهم أو خارجها.( مواطن امريكي او مواطن فرنسي أو مواطن بريطاني).
     فمثل هذا التصرف مبني على دراسة علمية لخصوصيات ومميزات التفكير لدى مجتمعاتنا العربية والإسلامية التي تعيش بالماضوية و تقدس الأحداث التاريخية وتعتبرها  جزءا من الدين والعقيدة، حيث كل جماعة أو طائفة تُعلب عقول أتباعها ومريديها بقداسة تلك الأحداث، التي يجب تبجيلها وعدم مناقشتها  ونقاشها أو نقدها  أو التفكير في إعادة مراجعة الكثير منها خاصة تلك التي ارتكبت فيها أخطاء كثيرة في حق الإنسان وكرامته وحريته للتأسيس من جديد لثقافة الاختلاف والتعايش، والتسامح  الفكري والديني في إطار دولة القانون والعدل.
    وهو ما خلق حساسيات مذهبية ودينية عبر كل المراحل التاريخية وخاصة في السنوات الآخيرة بعد بروز قوى دولية ناشئة منافسة للنفوذ الغربي تعمل على إعادة تشكيل النظام الدولي الجديد ليكون أكثر توازنا بين عدة أقطاب و منع احتكاره من قبل قوة  عالمية واحدة. وهو ما أشار إليه كيسنجر صانع السياسة الخارجية الآمريكية عندما كشف سنة 2012 لموقع (ديلي سكيب) الأمريكية عن المخطط الذي تتبناه أمريكا قال فيه:"  لقد أبلغنا الجيش الأمريكي أننا مضطرون لاحتلال سبع دول في الشرق الأوسط، حيث البترول والاقتصاد ثم .... سيكون المسمار الأخير في النعش الذي تجهزه أمريكا وإسرائيل لكل من إيران وروسيا بعد أن يتم منحهما الفرصة للتعافي والإحساس الزائف بالقوة. سيسقطان وإلى الأبد، لنبني مجتمعا عالميا جديداً لن يكون إلا لقوة واحدة وحكومة واحدة هي الحكومة العالمية «السوبر باور» وقد حلمت كثيراً بهذه اللحظة التاريخية". حيث سجلنا  للأسف إثارة لمثل هذه العصبيات وتشحين للكراهية فيما بين الجماعات الدينية والمذهبية لا لشيء إلا لأنها أصبحت جزءا من ضرورة وقود الصراع في القضايا الاستراتيجية الدولية التي توظفها الدول العظمى لتنفيذ سياساتها ونفوذها في منطقتنا العربية والإسلامية الغنية بالثروات الطبيعية، على حساب مصالحنا وأمننا القومي، كما سارت العادة في أفغانستان وكوسوفو سابقا. لأن أمتنا ببساطة إما أنها لا تقرأ و لا تستفيد من تجاربها الماضية وتكرر نفس الاخطاء التاريخية وتتلذذ بالعيش بأحقاد الماضي وكانه قدر محتوم عليها لا تستطيع التفكير في واقعها بطريقة مختلفة، وإما أن امتنا مازلت تحت الاستعباد الغربي لا تملك حرية قراراتها وإرادتها مسيرين لا مخيرين في كل ما نفعل ونريد.
      لكن الشيء المستغرب هو هذا الحماس الذي تبديه الكثير من الحركات الإسلامية و المذهبية عبر منابر المساجد ووسائل الإعلام وفي تجمعاتها في تغذية الكراهية الدينية والمذهبية المفضي إلى الصراع والاقتتال  الممقوت شرعيا وعقليا وأخلاقيا واجتماعيا واستراتيجيا. بل نجد خطاباتها في كل صراع سياسي من أجل الحصول على المناصب والنفوذ في السلطة أو لتحقيق مصالح اقتصادية تغلفه دائما بشحنة دينية وطائفية أو مذهبية، لدغدغة وتهييج المشاعر والتلاعب بالعقول وتكريس مزيدا من الكراهية والعداوات في قلوب و أذهان الأتباع لسُوقُها كالقطيع لتنفيذ مخططاتها بغباء. في الوقت الذي يستشهدون فيه بأحاديث للرسول صلى الله عليه وسلم " الفتنة نائمة لعن الله من أيقظها" وغيرها من الآيات القرآنية التي تحرم قتل دم المسلم للمسلم وتحريم قتل النفس البشرية بغري حق. 
   لكن يبدو أن الجميع منخرط في تنفذي المشروع الفتنوي لتهديم كل مقومات الحياة المتحضرة في منطقتنا العربية والإسلامية، بدليل أن من يفكر بطريقة مخالفة بالنسبة لهؤلاء يقصف بقنابل وصواريخ من التهم والتخوين والتكفير التي تستبيح لحمه ودمه وممتلكاته وعرضه وكل شيء يرمز إليه ماديا ومعنويا. وكانهم اصبحوا أربابا من دون الله في الآرض. 
   إنها نوع من الجهالة بعينها التي تجذرت في ثقافتنا وفي تفكيرنا، حيث أصبح الكثير منا يحاور نفسه اكثر ما ينفتح للحوار مع من يخالفه أو يختلف معه. بل أصبح الكثير منا يعتقد في نفسه انه يملك الحقيقة وعلى حق فيما يقوم به خاصة عندما يستحضر في قرارات نفسه انه يناصر الدين و يريد إحقاق الحق، فعندها يزداد انغلاقا على نفسه و يزداد حماسة واندفاعا وتعصبا ضد كل من يناقشه. لأنه تربى منذ صغره وتلقى دورات في غسيل المخ عبر القصف الإعلامي اليومي، على قناعات واعتقادات عَوْلبتْ عقله و علمته أنه كل تصرف مغلف بعنوان نصرة الدين يعتبر شيئا مقدسا لا يقبل النقاش ولا الجدال مهما كان نوعه حتى ولو كان ظلما وعدوانا على الاخرين، و حتى ولو كان الأمر يهلك الدين أو يشوهه أكثر ما يناصره أو يؤدي إلى مفاسد في الأرواح و الأعراض والعقول والحقول.
  إنه نتاج التفكير النمطي و الايديولوجي الذي أغشى عقول الكثيرين في مجتمعاتنا عن حقيقة قبول الآخر والاستماع إليه والتفاعل معه ايجابيا للاستفادة من رؤيته ونظرته وفهمه للأمور. ( فالحكمة قد نتعلمها من افواه المجانين وليس العقلاء فقط لذلك لا يحق الانسان ان ينصب نفسه مالكا للحقيقة المطلقة). حتى أصبح كل مسؤول أو خطيب أو زعيم أو رئيس أو أمير حزب أو جماعة في مجتمعاتنا يعتقد في نفسه انه لمجرد انه يحمل تلك الصفة وتلك الهالة من المكانة والمسؤولية فهو منزه من كل الأخطاء وكل ما يقوله أو يقوم به أو يقرره فهو صائب ويخدم الصالح العام وصالح المجتمع والأمة حتى ولو كان خيانة للأمانة أو تآمر أو استباحة لدم المسلمين أو إهدار لأموالهم وممتلكاتهم أو نشر للفتنة والعداوات بين الناس. لأن ذلك يحقق لهم إشباعا نفسيا لغريزة التسلط، ونشوة الاستعلاء على عقول الآخرين.
 وفي هذا الصدد كتبت جريدة نيويورك بوست في 21 نوفمير 2013: "أن المشاكل الطائفية تزيد مع زيادة المذابح، فبعد دوامة “الربيع العربي” أصبح القتل ليس فقط لعبادة الإله الخطأ ولكن لعبادة الله بطريقة خاطئة، فيبدو أن البشر يفضلون قتل جيرانهم بدلا من عدوهم".
   فلمصلحة من هذه الحروب المشتعلة في كل بلداننا العربية والإسلامية من طانجا إلى جاكرتا؟
   هل نتحمل وزر أخطاء التفكير التي وقع فيها اجدادنا ونبقى حبيسن في مستواهم ورؤيتهم ولا نتجدد ولا نتغير في عالم سريع التغير والتطور نحو الاحسن في كل مجالات الحياة؟
   هل من المنطق ومن العقل ان نرهن مستقبلنا وحياتنا بعقول وتفكير والطريقة التي عالجت بها الأمم التي  خلت من قبلنا؟ والتي قال عنها ربنا عز وجل: " تلك امم قد خلت لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ولا تسألون عما كانوا يفعلون".
   هل إذا أخطأ الاولون في أسلوب التفكير والمعالجة لمشكلاتهم بطرق همجية وإجرامية نسير على خطاهم وكأننا لا نملك عقولا ولا علما ولا تفكيرا نجتر اخطائهم بطرقية عمياء؟ 
    ومتى تعلوا المصالح العليا لآمتنا على حساب المصالح الضيقة للجماعات والأحزاب والمذاهب والدول القطرية؟ 
    و لمصلحة من مثل هذه الثقافة التخويفية والدعاية لكراهية الآخرين الذين يختلفون معنا في التفكير والفهم للدين والأمور السياسية والحياتية؟ من منا يستطيع الادعاء أنه يملك الحقيقة المطلقة؟ ألسنا جميعا بشر نملك نفس  العقول؟ من الذي اعطى الحق لنفسه ممارسة الوصاية على عقول الاخرين وفرض فهمه وتصوره عليها رغما عنهم؟
   ومتى يرقى تفكير الكثير من السياسيين والمفكرين والمنظرين للجماعات والأحزاب والمذاهب في الوطن العربي والإسلامي إلى مستوى إدراك مثل كل هذه الأخطار على أمننا القومي العربي و الإسلامي في القريب والبعيد المدى؟
   ومتى نتحرر كمسلمين من هذه الأصنام الجديدة (صنم المذهب وصنم الجماعة وصنم الحزب وصنم الطائفة وصنم القبيلة وصنم العرق والجهة) التي ورثناها عن امم قد خلت، و روجتها لنا وسائل الإعلام العربية والغربية لتشحين عصبياتنا لدفعنا إلى المزيد من الاقتتال بدل أن نتعامل كمسلمين منتمين إلى دين واحد وتاريخ مشترك؟
   ومتى نستفيد من التجربة الأوروبية في تجاوز خلافاتها التاريخية والدينية والمذهبية ونؤسس مفهوما جديدا للأمن القومي العربي و الإسلامي يضمن لنا الوجود والاستمرارية بين الأمم، نستطيع من خلاله فرض كلمتنا في الأحداث الدولية، ونحافظ على ثرواتنا لخدمة المشاريع التنموية لمجتمعاتنا للخروج من الفقر والتخلف والتبعية في كل المستويات؟
    إنها أسئلة تحتاج إلى تجنيد كل المختصين والمفكرين و الإعلاميين ورجال الدين والثقافة لوضع إستراتيجية علمية لمواجهة مثل كل هذه الذهنيات التي تغذي ثقافة التناحر والتقاتل بدل التعايش والتسامح و تهدد أمننا القومي والفكري وانتماؤنا الحضاري لتحصين مجتمعاتنا من كل الحروب والاختراقات الفكرية المتطرفة والدخيلة.
   فكم نحن في حاجة إلى عمل نفسي بيداغوجي واجتماعي على مستوى الأسرة والمدرسة والإعلام والخطاب الرسمي والشعبي والمسجدي والمؤسساتي ليساهم في تغيير تصوراتنا وتفكيرنا لنكون أكثر انفتاح على بعضنا البعض و أكثر قبولا لآراء وأفكار واقتراحات بعضنا البعض، فنتعلم فن العيش مع بعضنا البعض في أمن وسلام وفن التحضر الذي يرقى بنا إلى مصاف الأمم المتقدمة في انتهاج أسلوب الحوار والتواصل والتفاوض في حل خلافاتنا ومشاكلنا.
                                                                 سطيف في 27 مارس 2015 .            
                          الدكتور خالد عبد السلام قسم علم النفس وعلوم التربية والارطفونيا

                            جامعة سطيف2  الجزائر.

lundi 11 avril 2016

لماذا يتستر المسؤولون عن قضايا السرقات العلمية المثبتة في جامعاتنا؟

لماذا يتستر المسؤولون عن قضايا السرقات العلمية المثبتة في جامعاتنا؟
       يبدو أننا نعيش في عالم غريب ومتناقض لم يبق فيها أي معيار وأي قيمة أخلاقية ولا مكانة لأي مبادئ و لا قيمة لآي قوانين وضوابط تحكمنا أو تسيرنا، أصبح كل شيء مفتوح على مصراعيه، بل يعتبر من السذاجة حسب الكثير من المسؤولين ذوي الرتب والشهادات العليمة العليا( بروفيسورات في مناصب المسؤولية) أن يحدث البعض عن الجدية والضوابط والمعايير والقوانين في عصرنا.
     فأن تسرق العلم في جامعتنا الجزائرية أو تغش في الامتحانات أو تزور الوثائق والشهادات فهذا أمر عادي وطبيعي للغاية( tout a fait normale) فلا يحتاج الأمر للانزعاج أو الاشمئزاز و التذمر، أو الاحتجاج بما انك في الجزائر، ما دمنا نعيش في عالم دون معايير ودون قيم ودون قوانين، وفي عالم تحكمه قانون العلاقات والمصالح والنزوات والعواطف، ومنطق طاق على من طاق في كل شيء. 
    وأن تزور  وتحتال وتخادع وتنتحل الصفة أو أعمال الغير فهو من الشطارة والحنكة والذكاء،  ومن مهارات إدارة المصالح الشخصية، بينما أن تتعامل بنزاهة وصدق فذلك من السذاجة و( الجياحة بالعامية).
    وإننا في عالم أصبح أن تغش في الميزان و في السلعة في الدراسة، في البحث العلمي وفي قرارات الإدارة و مجالسها العلمية و تزور المحاضر و تكتب فيها ما تشاء دون الالتزام بما اتفق عليه أصبح من الفضائل و المستحبات والضروريات لضمان خدمات الزبائنية والصداقات و النجاح في المسار المهني لضمان الاستمرارية في المنصب والترقيات. بينما أن تعتمد على نفسك وعلى جهد عملك بتفان و صدق وإخلاص، وتحترم القرارات الجماعية والنصوص القانونية فهو من الجهل بسنن وأدبيات العمل الإداري الجزائري.
     وان تنافق وتنمم و تنشر الفتن بين الناس والأصدقاء فذلك من فنون ومهارات المعاملة التي تقتضيها ضرورة الولاء والانتماء للعصب والحواشي، بينما أن تكون صريحا وشفافا وصادقا وثابتا على مبادئك فذلك من السلوكات الجنونية وغباء الذي يؤذي صاحبه ويكسبه العداوات والكراهية والتهميش. 
    لكن في المقابل أن تقوم بدورك ورسالتك في الحياة وتتحدث عن السرقات والتزوير والغش أو تشكفها و تبلغ عنه وفق الإجراءات العلمية المنصوص عليها قانونا، فذلك تجاوز خطير وتشويش وتمرد على الإدارة الجامعية الذي يجعل صاحبها يصنف ضمن المغضوب عليهم لأنه من الخارجين عن الصف وعن المألوف وعن الخط السائد. 
    إنه منطق الكثير من المسؤولين الإداريين في الكليات و الجامعة الجزائرية وبشكل خاص في بعض كليات جامعة سطيف، التي ظهرت فيها حالات غش وسرقات علمية لمقالات ورسائل دكتوراه ومطبوعات بيداغوجية مثبتة بأدلة مادية لا مجال فيها للشك والتأويل. أين نجد من العمداء ونوابهم أو رؤساء جامعات ونوابهم يحرضون وينصحون الأساتذة وأعضاء الهيئات العلمية والإدارية والبيداغوجية بضرورة التستر على حالات الغش والسرقات العلمية التي اكتشفت في إطار أعمال التحكيم والخبرة لأنها تسيء إلى سمعة الجامعة. وكأن السرقة والتحايل والغش والانتحال أمورا مقبولة ومعقولة لا مشكلة فيها، بينما الحديث عنها وكشفها والتبليغ عنها والمطالبة بمحاربتها هو عين الخطأ والأمر غير المقبول وغير المعقول.
  في حين نجد أن المادة رقم 24 من أحكامالمرسوم التنفيذي رقم 08-130 المؤرخ في 03 ماي 2008 والمتضمن القانون المتعلقبالبحث العلمي، في الفصل الثامن الخاص بالتأديب، والتي تنصما يلي: " زيـادة عـلى أحـكـام المواد 178 إلى 181 من الأمــررقم 03 – 06 المــؤرخ في 19 جـــمـــادى الــثـــانـــيـــــة عــام 1427 الموافــق لـ 15 يـــولــيــــوســــنــة 2006 والمــذكــور أعــلاه، وتـطـبـيـقـا لأحـكـام المادة 182 مـنه، يـعـتــبـرخـطـأ مـهـنـيـا من الـــــدرجـــــة الـــــرابـــــعـــــــة (4)قـــــيــــــام الأســـــاتــــذة الــــبــــاحــــثين  ومـشـاركـتـهم في عـمل ثـابت للانــــتـــحــــــال وتــــزويـــــرالــــنــــتـــائـج أو غــش في الأعــــمـــــال الـعــلـمــيـة المــطـالببــهـا في رســائل الـدكــتـوراه أو في أي منشورات علمية أو بيداغوجية أخرى( الجريدة الرسمية العدد رقم 23  المؤرخ في 4ماي 2008 )
    كما أن ميثاق الأخلاقيات والآداب الجامعية الصادر سنة2010 ينص بوضوح في المحور الثاني الخاص بالحقوق والالتزامات الخاصة بالآساتذة الباحثين، المحور رقم 1-2المعنون التزامات الأستاذ الباحث صفحة رقم 6 أنه:" من المهام التي يضطلع بهاالأستاذ الباحث:" احترام أعمال البحث الخاصة بزملائه الجامعيين وبالطلبة، وذكرأسماء المؤلفين. وعليه، فإن السرقات العلمية، تعد من الأخطاء الجسيمة غير المبررة التي يمكن أن تؤدي إلى الطرد".
    علما أن الإدارة حسب نفس المرسوم الوزاري هي المسؤولة الأولى والأخيرة عن السهر على تطبيق القانون بكل حذافره. بعد الإخطار من قبل الجهات والهيئات العلمية المخولة قانونا.
   سيقول الكثير أننا نعرف القانون أحسن منك ونعرف كيف ومتى نطبقه، فلسنا في حاجة إلى شطحاتك وكتاباتك مواقفك و و . . ..و . وغيرها من كلام جارح أو استفزازي يخرج من عقول مهزومة ومريضة.       وتبقى الأسئلة التي تطرح نفسها على كل عاقل وغيور ومهتم بشؤون الجامعة ورسالتها في المجتمع هي: لماذا نجد يسعى هؤلاء المسؤولون في الكثير من الجامعات الجزائرية عمداء كانوا أو نوابهم و رؤساء الأقسام و حتى رؤساء جامعات إلى تحريض الأساتذة و الهيئات العلمية ويضغطون عليها من أجل التستر عن السرقات العلمية المثبتة عندهم والتغاضي عنها وتجاوزها واعتبارها أحداثا عابرة أو معزولة، و لا تتخذ إجراءات إدارية وقانونية ضد أصحابها؟ 
   ولماذا نجد نفس المسؤولين يتشددون في تطبيق بعض النصوص القانونية في ما يخص بعض الحقوق والواجبات على الأساتذة أنفسهم لا سيما بعض الحقوق ذات العلاقة بالمنح الدراسية والتربصات العلمية وغيرها، و يفسرون النصوص السارية المفعول بطريقة انتقائية و إقصائية متعمدة ضد الكثيرين؟ 
    هل التحريض على ضرورة التستر على السرقات العلمية المثبتة بالأدلة المادية غير القابلة للشكل والتأويل يعني أن هؤلاء المسؤولين متورطون فيها؟ 
    وهل تعني أن المسؤولين الإداريين يخافون أن يكثر الحديث عن الفضائح العلمية في أقسامهم وكلياتهم وجامعاتهم، و التي تعكس سوء تسييرهم وعدم  تحكمهم في إدارة شؤون القسم أو الكلية أو الجامعة؟ أم أنهم يريدون إظهار صورة مزيفة و غير حقيقية عن ما يحدث في المؤسسات التي يشرفون عنها حتى يضمنوا ترقيات أخرى مستقبلا؟
   أم أنهم يريدون تسويق حقائق جميلة وفق قاعدة كل شيء على ما يرام حتى لا تحسب عليهم مثل تلك الظواهر السلبية المسيئة للجامعة وأخلاقياتها؟
  وهل لأنهم يصرون وينصحون على ضرورة التغاضي والتستر عن مثل هذه الظواهر السلبية لأنها تنطبق على الكثير منهم وعلى أعمالهم فيخافون أن يفضحوا هم أنفسهم يوما ما، ولذلك يمنعون تكريس تقاليد محاربتها وفق النصوص القانونية التي أوكلوا بتنفيذها وتطبيقها والسهر على احترامها؟
  وهل يعني ذلك أيضا أن هذا النوع من المسؤولين يكرسون سياسة الهروب إلى الأمام و الدفاع عن الرداءة لأنهم مستفيدون منها؟
  وما دور خلايا الجودة ومجالس أخلاقيات المهنية التي تم تأسيسها في الجامعات الجزائرية؟  هل هو التصفيق والتبرير  والتزكية للممارسات السائدة أم أنها أدوار تجويد الحياة الجامعية ومحاربه كل ما يسيء إلى رسالة الجامعة أو يقلل من دورها ومكانتها وهيبتها؟
  لكن يبدو أن الكثير من الأساتذة سواء كانوا أعضاء في الهيئات العلمية الرسمية اللجان والمجالس المنتخبة، قد استسلموا للأمر الواقع، و ليس لهم من أدوار داخلها إلا التصفيق و المساندة، و الوقوف مع الواقف و العمل بما حتى ولو كان مخالفا للقوانين السارية المفعول، للأسف الشديد. 
   ألا يعتبر الساكت عن السرقة أو التزوير والغش كفاعله في أدبيات كل القوانين الدولية والوطنية؟ 
   أليس من العيب والعار على مسؤولين يحملون ألقابا و رتبا علمية عالية أن يخونوا الشهادات التي يحملونها ويخونوا الأمانة التي كلفوا بها من قبل الدولة و المجتمع ويتواطئون مع كل الغشاشين والسراقين والمتسلقين على ظهر أعمال غيرهم؟
    ألا نلاحظ جميعا أن جامعتنا أصبحت تكرس اللامعيارية و الرداءة بتصرفات مسؤولين تتحكم فيهم مصالحهم وعلاقاتهم الشخصية أكثر ما تستفزهم النخوة وروح المسؤولية واعتبارات المصلحة العمومية ورسالة الجامعة؟  
   ألا  تعبر تلك التصرفات والتوصيات، وكأن المسؤولين يقولون للجميع بشكل ضمني أن رسالتهم ودورهم في إدارة شؤون الجامعة هي المحافظة على مصالحهم ونفوذهم وخدمة مصالحهم ومصالح من نصبهم فيها وليكن بعدهم الطوفان؟
   فماذا بقي من مصداقية لأعمال الخبرة والتحكيم العلمي التي ينجزها الكثير من الأساتذة بنزاهة ومهنية  وموضوعية حول المقالات و المطبوعات البيداغوجية ومشاريع البحث إن كانت ترمى في المهملات وفي أدراج المكاتب الإدارية؟ ألا أن يتخذ الكثير من الأساتذة قرارا بعدم إجراء أي أعمال خبرة ولا تحكيم لآي عمل علمي ولا بيداغوجي مادامت الإدارة تتجاهل بل تحرض على تجاهل تقاريرهم، فتنشر لمن تشاء في المجلات وتقبل مطبوعات من تشاء من الموالين والمقربين والمتنفذين لتسوية من تشاء خارج كل الأطر العلمية والقانونية المتعارف عليها وطنيا و دوليا؟
   فإذا كان الكشف عن الظواهر السلبية في الجامعة ودراستها والعمل على معالجتها من صميم مسؤوليات ورسالة كل الباحثين والأساتذة الجامعيين في المجتمع، فإن القيام بالأدوار والمسؤوليات الإدارية بشفافية ومهنية كذلك يعتبر واجبا مهنيا وأكاديميا وأخلاقيا واجتماعيا وقانونيا على كل من تقلد أي منصب في هياكل الإدارة. وبذلك تكتمل حلقة التكامل في الأدوار لخدمة المجتمع.
    أليس من الواجب علينا جميعا كمثقفين وجامعيين وأكاديميين أن نتجند لمحاربة كل الظواهر السلبية المتنامية في جامعاتنا؟
    أليس من العيب علينا أيضا وعلى مؤسساتنا السكوت عن الانتحال والسرقات العلمية التي طالت حتى أسئلة الامتحانات الرسمية في المدرسة الجزائرية والبرامج  التلفزيونية والإذاعية والأعمال الفنية الدرامية والأدبية وحتى البنوك والمشاريع السكنية وكل مجالات الحياة في مجتمعنا؟
   هل يعني ذلك كله أن جامعتنا أصبحت تكون مزورين وغشاشين و سراقين محترفين في كل ميادين الحياة؟. 
   إنها أسئلة تحتاج إلى التفكير الجماعي والدراسة العلمية الموضوعية العميقة لنخرج بأجوبة وحلول معقولة موضوعية لعلها تعيد إلى جامعاتنا بعضا من كرامتها وهيبتها ومكانتها.
   ولكننا عندما نعلم أن غالبية حالات السرقات العلمية التي تم اكتشافها و اتخذت ضد بعضهم إجراءات إدارية  هم مسؤولون رسميون في الكليات بالجامعات الجزائرية (حالات عميد كلية جامعة أدرار، عميد كلية جامعة مستغانم، و عميد كلية جامعة خنشلة وغيرها...) هم المسؤولون عن هيئات تحرير المجلات الجامعية لا تخضع مقالاتهم ومقالات المقربين إليهم وأصحابهم إلى التحكيم العلمي، لذلك نفهم لماذا يبرر و يتستر الكثير من مثل هؤلاء عن السرقات العلمية المثبتة في مؤسساتهم اليوم. 
                                                         سطيف في 06 جويلية 2015

                                           الدكتور خالد عبد السلام جامعة قسم علم النفس سطيف2

ماذا يعني أن تكون عضوا منتخبا في اللجان والمجالس العلمية للجامعة؟

ماذا يعني أن تكون عضوا منتخبا في اللجان والمجالس العلمية للجامعة؟
 الدكتور خالد عبد السلام قسم علم النفس جامعة سطيف2
     يفترض ان تكون الهيئات العلمية في جامعاتنا الجزائرية برلمانات مصغرة للممارسة الديمقراطية بحرية و نزاهة ومسؤولية عالية. بما انها تعتبر هيئات استشارية، تعالج فيها الكثير من القضايا العلمية والبيداغوجية على شاكلة المناقشة والمعالجة التي تتم في المجالس البلدية والولائية و البرلمانية.
  لكن للآسف الشديد ما تشهده جامعاتنا من ممارسات وسلوكات داخل هذه الهئيات العلمية المنتخبة لا تختلف كثيرا عما تنشره الصحافة الوطنية من ممارسات في البرلمان والمجالس المنتخبة. حيث نجد تدخل الاداريين لترتيب وتوجيه نتائج الانتخابات في مختلف المجالس، كما تعمل الكثير من الادارات الجامعية على استعمال نفوذها وسلطتها للضغط على الأساتذة وابتزازهم ومساومتهم من اجل فرضه عليهم اختياراتها بفرض أشخاص معينين   يسهلون لها تمرير ما تريده من قضايا وقرارات ومشاريع خارج القانون والقرارات الوزارية والتعليمات الرسمية التي يفترض ان تكون حاميها والساهرة على احترامها.
 حيث كثيرا ما نسمع المسؤولين الاداريين بالجامعات يتواصون ويستنسخون أساليب تسيير وتوجيه وتدخل كانوا ضحاياها من قبل، لا سيما العمل على أغلبية موالية لهم وطيعة يسيرونها كما يشاؤون على شاكلة الموالاة والمعارضة في المجالس المحلية والبرلمان. وكثيرا ما عشنا مواقف فرضت فيها الادارة الجامعية قرارات و مارست ضغوطا على أعضائها لتمرير مشاريع و قضايا، و طلبت منهم تغيير محاضر الاجتماعات ليتوافق مع امزجة مسؤوليها ويحقق لهم مصالح شخصية او مطالب فوقية. و لا يناقشهم ولا يعترضهم في ذلك إلا القليل جدا الذين لا حول لهم ولا قوة لهم، مادام الكثير من زملاؤهم في أقسام وكليات اخرى فقدوا حرياتهم واستقلاليتهم في التعبير والتفكير وفق قناعاتهم وضمائرهم و وفق القانون، و يخضعون ويسلمون بكل ما يمليه عليهم بعض الادارين حتى ولو خالق القانون أو أضر بمصلحة الجامعة. وهنا يجدر بنا طرح السؤال المحوري الآتي، لو كانت الادارة تعمل بنزاهة وشفافية لماذا تتدخل وتستعمل سلطتها ونفوذها للضغط على الأساتذة لتوجيه نتائج انتخابات اللجان والمجالس العلمية للأقسام والكليات والجامعات؟
  حتى ظهر نمطا من الأساتذة الذين يلتزمون بالصمت طوال عهداتهم في اللجان والمجالس العلمية لا ويتدخلون إلا إذا كان الامر يعنيهم مباشرة  أو يعني أصدقائهم. ويصوتون على كل القرارات التي تفرضها الادارة حتى ولو كانت مخالفة للقوانين السارية المفعول. و يسكتون عن المظالم والتجاوزات ولا يتدخلون أصلا وكأنهم:" صم بكم وعمي وهم لا يعقلون" لا لشيء إلا لنيل رضى الاداريين الذين اوصلوهم بنفوذهم، وخوفا من تصنيفهم ضمن قائمة المغضوب عليهم، وبالتالي ضمان بعض الامتيازات الشكلية.
   فإذا كانت الجامعة هي القاطرة التي توجه المجتمع، فالأساتذة والباحثين يفترض انهم القادة الذين يسيرون ويضبطون إيقاعها وحركتها في الاتجاه الصحيح الذي يحقق لها أهدافها ورسالتها في المجتمع. عن طريق تجسيد كل القيم الايجابية والسلوكات الحضارية التي تسوق كمنتوج معرفي للمجتمع. لا سيما الممارسة الديمقراطية في تشكيل وتسيير لجانها و مجالسها الاستشارية بحرية ونزاهة وشفافية ومسؤولية عالية. أما إذا كانت الممارسات داخل الهيئات العلمية للجامعة تشوبها  الضبابية والغموض والتجاوزات والتحايل وتجاوز القانون، فذلك مؤشر على انحراف الجامعة عن رسالتها وإعلان غير مباشر عن استقالة الاساتذة والباحثين عن أدوارهم الريادية في المجتمع .
 وعلى هذا الأساس نرى انه من واجبنا الأخلاقي و الاكاديمي إثارة النقاش والتفكير حول موضوع التمثيل والأدوار المنتظرة و المواصفات اللازمة لكل أستاذ يرغب تمثيل زملائه في مثل هذه اللجان و المجالس العلمية.
   فما هي العضوية في اللجان والمجالس العلمية للجامعات: هناك مفهوما سلبيا للعضوية في هذه الهيئات يسئ لأصحابه  أكثر ما يشرفهم بها:
      إن العضوية في الهيئات العلمية للجامعة ليست تشريفا للأستاذ بقدر ما هي تكليفا ومسؤولية أخلاقية وأكاديمية كبيرة وخطيرة في نفس الوقت. و لا تعني ان يسجل اسمه في  قائمة العضوية ليحتسب له في سيرته الذاتية و هو لا يقدم شيئا جديدا ولا إضافة للجامعة.
 و العضوية في الهيئات العلمية لا تعني تسجيل الحضور والالتزام بالصمت وعدم التدخل لنيل التزكية والرضى من الادارة. ولا تعني أيضا ان يكون العضو فيها شاهد زور على تجاوزات و عدم احترام النصوص القانونية أو على ازدواجية تطبيق المعايير.
  كما لا تعني العضوية أن تكون أداة في يد جماعة او أطراف إدارية تستعمل المنتخب كما تريد فتفقده حريته الأكاديمية وكرامته الشخصية. فتتحكمون فيه لتنفذ إرادتهم ويوجهونه كما يشاؤون.
  و العضوية لا تعني ان تخدم مصالحك ومصالح أصدقائك أو الموالين والمقرببن منك. والآخطر من ذلك ان لا تكون العضوية ان يجعل الأستاذ نفسه عينا وأذنا تنقل أسرار المجالس لنشر الفتن و إيقاع العداوات والصراعات والضغائن بين الاساتذة والإدارة.
·         العضوية الايجابية المطلوبة في اللجان والمجالس العلمية للجامعات تعني:
أن تكون إنسانا حرا ومسؤولا وسيد نفسك في آرائك وأفعالك وقراراتك ومواقفك يتحكم فيك الضمير والقانون وليس أطراف أخرى. و أن تكون نزيها مع نفسك ومع غيرك لا تقبل الامتيازات حتى على نفسك في ما كل يخالف القانون. و أن تكون صادقا وصادحا بالحق في كل قضية او موضوع او نقطة طرحت للنقاش والدراسة،و أن لا تقبل الخضوع لضغوطات أي طرف إداري او خارجي مهما كان. و لا تقبل الابتزاز والمساومات من أي جهة. و أن تقول كلمة الحق في وجه كل من يحاول ممارسة الظلم حتى ولو كان صديقا لك او عزيزا عليك.
و أن تكون جريئا في قول كلمة الحق في وجه أي ممارسة استبدادية تظهر من قبل بعض الاداريين، و لا تسكت وتلزم الصمت في القضايا التي يمكن ان تفيد فيها برأيك وموقفك لتصحيح الاعوجاج. وبالتالي أن تكون ناطقا باسم جميع زملائك الذين انتخبوك لا ناطقا باسم مصالحك الشخصية. و أن لا تقبل التزوير ولا تجاوز القوانين والاحتيال عليها حتى ولو كان لصالحك وامر يهمك. و أن لا تقبل العمل بالامزجة والخواطر الشخصية.
أن تكون محافظا على حقوق جميع الأساتذة  وتلتزم بالعدل و والمساواة وفق مقتضيات النصوص القانونية السارية المفعول.
  نوع الأساتذة الذين يصلحون لعضوية اللجان و المجالس العلمية في الجامعات:
     ـ أساتذة يتوفرون على مستوى عالي من روح المسؤولية الاخلاقية والأكاديمية والاجتماعية.  
    ـ وأساتذة متحررين من رواسب الذهنية الموروثة عن العقلية الأحادية و الاستبدادية التي تمارس الوصاية على عقول المثقفين والجامعيين الجزائريين.
    ـ وأساتذة متحررين من عقلية الدوار  ومن العصبيات والتكتلات الفئوية والمصلحية والجهوية والإيديولوجية والمهنية او التخصصية. و أساتذة يتوفرون على قدر كبير من الجرأة على التواصل والإقناع بالحجة والدليل دون خوف و لا تردد. و أساتذة يتمتعون بقيم التسامح والانفتاح على الغير و يتقبلون النقاش والنقد والرأي المخالف، ولا يتعصبون لآرائهم و قناعاتهم.
   ـ و أساتذة يتمتعون بمستوى عالي من الثقة بأنفسهم، ويمتازون بالمرونة الفكرية وعدم التصلب في المواقف.
   ـ وأساتذة متحررين من كل وصاية خارجية على تصرفاتهم ومواقفهم.
   ـ وأساتذة متشبعين بثقافة الخدمة العمومية والمصلحة الجماعية وخدمة رسالة الجامعة في المجتمع.
   ـ وأساتذة لهم تصور ونظرة شاملة ومتكاملة لمهامهم وأدوارهم في المنظومة الجامعية والمجتمعية.
   ـ و أخيرا أساتذة يتحلون بروح الديمقراطية يقدمون نموذجا في الحوار والمسؤولية والنزاهة والشفافية والمصداقية التي يقتدى يها في الحياة السياسية والاجتماعية. إذا سلمنا أن اللجان والمجالس العلمية هي برلمانات مصغرة للممارسة الديمقراطية الحرة والنزيهة.
                                              سطيف في 09/02/2016
                                               الدكتور خالد عبد السلام  قسم علم النفس وعلوم التربية

                                                 والارطفونيا جامعة محمد اليمين دباغين سطيف2

نشر ثقافة الكراهية عبر المساجد هي مقدمات منطقية للعنف الاجتماعي؟

نشر ثقافة الكراهية عبر المساجد هي مقدمات منطقية للعنف الاجتماعي؟
فهل نتجند لتحصين أمننا الفكري والعقائدي؟
 إعداد الدكتور خالد عبد السلام قسم علم النفس جامعة سطيف2
      منذ سنة 2011 عندما أطلقت شرارة ثورات الربيع الأمريكي في العالم العربي، تحولت مساجد العالم العربي و الإسلامي ووسائل إعلامه إلى منابر لزرع الكراهية و الضغائن والأحقاد بين المسلمين،( مذاهب، وأعراق وديانات وكيانات وطوائف) و التي سيطرت عليها جماعات وهابية (سلفية) وجماعات إسلامية أخرى متعددة المشارب والاتجاهات، حيث جندت كل طاقاتها لتنفيذ المشروع المزعوم تحت قناع تحقيق الحريات والديمقراطية نهاية عصر الديكتاتوريات، على غرار ما فعلته في أفغانستان في تسعينيات القرن الماضي عندما قامت بتشحين عقول الشباب العربي بمفاهيم الجهاد ضد الكفر و الإلحاد، وما تبع ذلك من دعايات وعمليات غسيل للدماغ لكسب قلوب الناس واستمالتهم إليها وتجنيدهم بعد التحكم في عقولهم وعواطفهم و مواقفهم. لكن حقيقة الأمر اكتشفت فيما بعد، و تبينت أن العملية ما هي إلا حرب نفسية دعائية أمريكية بامتياز لتحشيد المواجهة الجيو إستراتيجية، من اجل تحطيم القطب والمعسكر الشيوعي وسيطرة القطب الرأسمالي الغربي والانفراد الأمريكي بالقرار الدولي من خلال التمكن من بتأسيس نظام دولي أحادي القطب.( راجع كتاب السيطرة أم الخضوع ، السعي الأمريكي للسيطرة على العالم لنعوم تشومسكي ص 137 و138) والذي بين فيه استنادا إلى وثائق رسمية ومحاضر جلسات رسمية ودراسات علمية صادرة من مراكز دراسات إستراتيجية تابعة لمصادر القرار الأمريكي  المختلفة وردت في الهوامش كيف جندت أمريكا وحلفاءها من العرب، الجماعات الإسلامية المختلفة في مشروعها لتحطيم الاتحاد السوفياتي سابقا).
    حيث عملت هذه الجماعات الدينية في العالم العربي والإسلامي على توظيف العواطف الدينية كإستراتيجية للتحكم في عقول الشباب و كسب مودة و تأييد الرأي العام العربي والإسلامي عبر منابرها الإعلامية و خاصة عبر المساجد، في كل خطابهم للترويج لأفكارها السياسية والإيديولوجية، بينما هي في مضامينها تعمل على التجنيد العاطفي والوجداني للكثير من الشباب الجزائري للانخراط في الجماعات المتطرفة المنتشرة في سوريا والعراق وليبيا، على غرار ما فعلته خلال الحرب الأمريكية العربية ضد الإتحاد السوفياتي في أفغانستان في ثمانينات القرن الماضي كما أشرنا إلى ذلك سابقا،( أين وصلت هذه الدعاية الإعلامية لتلك الحرب المقدسة في الخطاب المسجدي والدعوي لهذه الجماعات إلى الإدعاء عن ظهور كرامات( شبه معجزات) في الجهاد الأفغاني و بأن المجاهدين الأفغان كانوا يرمون دبابات السوفيات بالرمال فتتفجز لوحدها، وان الملائكة تقاتل إلى جانبهم وغيرها...) وهو نفس الخطاب الذي سمعناها منذ أحداث الربيع الأمريكي في الدول العربية منذ سنة 2011عبر قنوات عربية من قبل مشايخ لبعض الجماعات الدينية العربية. و مازلنا نسمع يوميا خطبا مسجدية وإعلامية تتضمن نزعة عنصرية ومذهبية عنيفة وبغيضة تستفز المشاعر والقلوب وتستغبي العقول باللعب على المصطلحات والمفاهيم والكلمات الدينية التي تؤل فهمها للدين حسب نزعتها السياسية وإيديولوجياتها الفكرية، ووصل بالكثير منهم إلى مستوى الاتهام بالفسق والكفر والخروج عن الدين والردة لكل من يختلف مع توجه هذه الجماعات في التفكير والتصور والفهم للدين سواء كانوا من مذاهب إسلامية أخرى أو كانوا من نفس المذهب أو أنهم ينتمون إلى جماعات أو أحزاب أو تيارات فكرية أو سياسية مختلفة أو كانوا ينتمون إلى ديانات وأعراق وطوائف متنوعة أو كانت شخصيات ثقافية وعلمية وفنية أو فكرية. كما أصبح كل من يناقش هؤلاء في أطروحاتهم ودعاياتهم الإعلامية ويحاول كشف الملابسات والخلفيات الإيديولوجية والسياسية التي تحركهم في إطار لعبة الأمم (منظومة عالمية أو قُطرية) إلا و تعرض للاتهام بالتخوين والعمالة باستعمال النمطية الفكرية المعهودة. كما كنا ومازلنا نسمع بالوعيد للجميع بالقتل والذبح والتهجير والتنكيل لكل من لا يبايعها عبر شبكات التواصل الاجتماعي وخاصة صور الفيديو باليوتيب وغيرها.
   و منذ ذلك التاريخ ( 2011) كان الجميع يسمع عبر المساجد كل يوم جمعة خطبا نارية تعلن رفضها الاعتراف بأي فكر آخر أو اجتهاد مختلف أو رؤية متنوعة للحياة غير ما تعتقده أو تراه هي فقط وفقا للمنطق الفرعوني في تعامله مع قومه عندما قال لهم في قوله تعالى: ﴿ قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ ﴾ [غافر: 29]، ووصل خطاب بعض الأئمة في احد المساجد بولاية سطيف  إلى الإعلان خلال الخطبة من على المنبر بأن جماعته تعتبر من الجماعة الناجية، ونادى المصلين إلى ضرورة الانخراط في الجماعة السلفية لأنها لا تشكل خطرا على الجزائر، رافضا في ذلك لكل الجماعات الإسلامية الأخرى التي خصص لكل منها خطبتين كل يوم الجمعة... ووصل به الأمر إلى اعتبار من يعترض كلام علماءهم ومشايخهم أو يناقشهم أو ينتقدهم أو يرد على فتاويهم بأنه زنديق ومنافق....
    ونتيجة لذلك تشبع الكثير من الشباب في مجتمعاتنا بهذا الخطاب، حتى وصل الأمر بالكثيرين من هذه الجماعات الدينية في الجزائر وفي الكثير من البلدان العربية والإسلامية إلى درجة العمل من اجل السيطرة على المساجد والتحكم فيها بكل الوسائل في الجامعات والأحياء الشعبية والقرى والمدن، حتى باستعمال العنف ونشر الأكاذيب والدعايات والفتن و النميمة بين المصلين لرفض الصلاة وراء أئمة معينين لعدم انتمائهم التنظيمي لجماعاتهم أو لإيديولوجياتهم. و قد تمكن المال العربي في الكثير من الأحيان من شراء حتى عقول وأقلام الكثير من الإعلاميين والمثقفين والمفكرين للترويج لمشروع الفتنة الذي بشر به كيسنجر في ثمانيات القرن الماضي عندما قال أنه سيأتي اليوم الذي نشعل حرب المائة سنة بين الشيعة والسنة على غرار حرب المائة سنة بين الكاثوليك والبروتيستانت في أوروبا في القرن الثامن عشر الماضي.  
   كما ساهم مثل هذا الخطاب في زرع الخوف والكراهية والأحقاد بين الناس والمصلين أنفسهم، وكما ساهم في التشكيك في دينهم وفي عقائدهم من خلال اتهام كل من لا يفكر مثلهم أو لا يصدقهم أو لا يسلم بما يقوله مشايخهم ودعاتهم أو خالف علماءهم بالكفر والردة عن الدين. وبذلك من المنظور النفسي الاجتماعي فهو وعيد مبطن وغير مباشر بجواز سفك دم وقتل كل من خالف أو اعترض أو التمس شيئا من كلام دعاتهم أو انتقد طريقة تفسيرهم و فهمهم للدين أو فتاويهم..... و وصل الأمر لدى أئمة وخطباء هذه الجماعات الزارعين لثقافة الكراهية، حتى إلى اعتبار كل المثقفين والمفكرين الذين لا يفكرون مثلهم أو يستندون إلى المرجعيات والمناهج الغربية بأنهم رويبضة ( أي التافهين الذين يتكلمون في أمر العامة...) (و الأمثلة كثيرة حول ما سمعناه من خطاب متطرف ومتعصب و تكفيري يزرع الأحقاد والضغائن في نفوس المصلين، ضد الجميع حتى ضد أولئك الذين لم يسدلوا اللحى أو يقصروا السراويل، و ضد كل من يحاول استخدام عقله في فهم الدين الذي وهبه الله وميزه به عن سائر المخلوقات في التدبير في شؤون حياته الخاصة والعامة، ....).
      وهنا نتساءل كيف لمثل هؤلاء أن يعتبروا عقولهم هي الراجحة والصائبة في فهم الدين وفهم الحياة، ويعتبرون عقول غيرهم غير صائبة ولا تفقه الدين؟ من الذي نصب هؤلاء أوصياء على عقول المسلمين الآخرين ليمنعوهم من استخدام عقولهم أيضا كما استخدموها هم في فهم الدين والدنيا؟  وكيف يسمح لمثل هؤلاء أن يستولوا على المنابر المسجدية والإعلامية ليمارسوا إرهابا فكريا وعقائديا على بقية الناس؟ وهل يعقل أن ينصب هؤلاء أنفسهم مرجعا وحيدا وحصريا في فهم أمور الدين و الدنيا ويعتبرون كل من يفكر بطريقة مختلفة عنه زنديقا أو كافرا  أو مرتدا؟ من هم هؤلاء الناس الملهمين بهذا التفكير والمنطق الفريد من نوعه ليقولوا لغيرهم من الناس وما نريكم إلا ما نرى، ولا عقل إلا عقولهم هم فقط ؟ هل يعني ذلك ضمنيا أن الآخرين الذين لا يفكرون مثلهم بمثابة بهائم لا تملك العقول فيجب عليهم إتباع ما يقوله هؤلاء فقط؟    
   والغريب في الآمر أن كل ما يحدث، كان ومازال تحت أنظار وعلم كل المؤسسات الرسمية والمجتمعية، فرغم الأخطار المترتبة عنها، إلا أنه لا احد يتحرك أو يحاول وضع حد لمثل تلك التصرفات و لذلك الخطاب التكفيري الذي أسس لثقافة التناطح و التنافر والتباعد والكراهية بين النفوس والقلوب والعقول، و أسس لما سميناه في وقت سابق لـ"سايكس بيكو سيكولوجي" الذي يمهد للاقتتال والتناحر وسفك الدماء وتمزيق النسيج الاجتماعي والثقافي لمجتمعاتنا وتحقيق مشروع سايكس بيكو ـ الجغرافي ( تفتيت المفتت وتمزيق الممزق).
   فرغم تنبيه وتذكير بعض الكتاب والمفكرين والمهتمين والباحثين الجامعيين بخطورة تنامي هذا الخطاب المتطرف التكفيري العلني وانعكاسه على الأمن النفسي والاجتماعي والقومي لمجتمعاتنا في المستوى القريب والمتوسط  والبعيد، ورغم الدعوات والنداءات المتكررة التي قدمت ذلك الوقت لكل المثقفين والمفكرين والجامعيين من اجل المساهمة في مناقشة قضايا التطرف والتعصب الفكري والديني والسياسي وخاصة قضية التكفير والتفسيق والاتهام بالزندقة جهارا ونهارا في الخطب المسجدية كل يوم جمعة، من اجل تنوير الرأي العام وتثقيف وتوعية الشباب الناشيء وتحصينه من كل أشكال الانحراف الفكري و العقائدي والتجنيد التنظيمي من قبل هذه الجماعات المتطرفة. إلا أن الكثيرين كانوا إما مساهمين في التحريض بشكل غير مباشر عبر تعليقاتهم المباشرة وغير المباشرة، أو مباركين و مؤيدين له أو متواطئين معه أو ساكتين عنه، بل التمسنا وجود الكثيرين الذين مازالوا يعتقدون أنها فرصة سانحة للتغيير نحو الديمقراطية والحريات.(وتحقيق المشروع الإسلامي المزعوم). ولكن للأسف الشديد كانوا يجهلون أنهم ضحايا الحرب النفسية التي مارسها القصف الإعلامي الدعائي للمشروع الفتنوي الغربي الأمريكي، عبر القنوات التلفزيونية ومواقع الأنترنيت الممولة والمؤسسة بالمال العربي والمدعمة غربيا، (بدليل أن مواقع الفلسطينيين وصفحاتهم في شبكات التواصل الاجتماعي التي تدعوا إلى الانتفاضة والمقاومة ضد النازية الإسرائيلية وضد الهيمنة الغربية الأمريكية، تحجب وتحارب بينما مواقع الجماعات التكفيرية والمتطرفة التي تدعو إلى قتل وذبح وسفك دماء المسلمين يشهر لها ويترك لها المجال لتنشط كما تشاء ولا تلق أي اعتراض أو لا تحارب) التي هللت وبشرت بزوال الديكتاتوريات في منطقة الشرق الأوسط متناسين أن أصحاب التهليل أنفسهم من بعض الأنظمة العربية المتحالفة مع المنظومة الغربية الأمريكية هي أكثر الممارسين للديكتاتورية نفسها بأبشع صورها ضد كل من حاول حتى كتابة قصائد شعرية نقدية ضد أمراء أو ملوك أو وزراء أو سياسيين، وضد كل كتابات أو تغريدات معبرة عن رأي حر في مواقع التواصل الاجتماعي الافتراضي.
    وقلنا آنذاك أنه: سيأتي اليوم الذي نكتشف فيه جميعا: " أننا أكلنا يوم أكل الثور الأبيض"
   ـ لأن زراعة الكراهية والأحقاد هي مقدمات منطقية للعنف الاجتماعي الذي يأتي على الأخضر واليابس، ويعبث بكل مقومات الحياة ويدمر كل عوامل التنمية الاجتماعية الشاملة.
    علما أن هذا النوع من الخطاب المتنامي في الكثير من مساجدنا يعتبر من منظور السيكولوجية الاجتماعية نوعا من التجنيد الفكري والعاطفي المؤدي بالضرورة إلى الانخراط التنظيمي للكثير من الشباب المتحمس والمتعطش لتحقيق الذات عبر المغامرات البطولية الوهمية التي تصور له، خاصة عندما تلبس بثوب المقدس وقناع الدين والغاية النبيلة، و تشحن دوافعهم باستثارة غرائزهم الحيوانية بجواز  سبي النساء وجهاد النكاح وحور العين في الجنة وغيرها من المفاهيم التي تتجاوب وتنسجم مع الحاجيات النفسية للمراهقين الذين يعيشون فراغا عاطفيا ونفسيا وفكريا و تهميشا أو ظلما اجتماعيا.
   فها هي شرارة الفتنة بدأت تشتعل و كتلة النار تتدحرج شيئا فشيئا في بيوتنا، ومظاهر التهديد بالذبح والقتل والتفجير والتنكيل بنا منشورة و معلنة للجميع، فهل نستفيق من غفلتنا وسباتنا ونتجند لمحاربة الفكر الفتنوي المتعصب وتصورات أصحابها وكشف خيوط اللعبة الدولية التي تقف وراءه لنحصن مجتمعاتنا من تبعاتها وأخطارها المدمرة؟
     فمتى نتحرك للعمل الجواري الميداني؟ ومتى تتوقف وسائل الإعلام العربية والإسلامية العمومية منها والخاصة عن إلهائنا بالقضايا الهامشية والألعاب التافهة والموضوعات الفارغة، و تتجند لتقوم بدورها التوعوي والتحسيسي بفتحها المنابر لذوي الخبرة والاختصاص في مختلف العلوم والمقاربات المعرفية لتحليل الخطاب التكفيري الفتنوي لفهم أبعاده وكشف تناقضاته وملابساته وخلفياته وغاياته ومعرفة صانعيه الحقيقيين لزرع الوعي الحضاري في مجتمعاتنا وتحصينها فكريا وثقافيا وعقائديا واقتصاديا وسياسيا وإعلاميا من كل الانحرافات المدمرة ومن كل القابلية للتجنيد والتطرف؟ ومتى تساهم هذه الوسائل والمنابر في نشر ثقافة الاختلاف وقبول الآخر و تأسيس ثقافة التسامح الديني والفكري والسياسي لتحقيق معنى كلمة السلام التي ننطقها نحن المسلمون أكثر من مليار مرة كل ساعة حسب تقديرات المهدي المنجرة في كتابه قيمة القيم؟ تحقيقا لحكمة الوجود المتنوع المذكورة في القرآن الكريم، في قوله تعالى:" "يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا... " الآية 13 من سورة الحجرات. وقوله تعالى: "ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن يضل من يشاء ويهدي من يشاء ولتسألن عما كنتم تعملون "(الآية 93 من سورة النحل).
  هي أسئلة مفتوحة ونداء للجميع للمساهمة في النقاش والتجاوب والعمل على تفكيك العقول المتحجرة و القلوب المريضة من أجل تبديد المخاوف وزرع الأمل والتفاؤل في الحياة، لخدمة مستقبلنا إذا أردنا العيش في امن وسلام. فالسلام عليكم ورحمة الله,

                                                   سطيف في 20 جويلية 2015

                                                                         الدكتور خالد عبد السلام

                                                                                      جامعة سطيف2 الجزائر.