lundi 11 avril 2016

لماذا يتستر المسؤولون عن قضايا السرقات العلمية المثبتة في جامعاتنا؟

لماذا يتستر المسؤولون عن قضايا السرقات العلمية المثبتة في جامعاتنا؟
       يبدو أننا نعيش في عالم غريب ومتناقض لم يبق فيها أي معيار وأي قيمة أخلاقية ولا مكانة لأي مبادئ و لا قيمة لآي قوانين وضوابط تحكمنا أو تسيرنا، أصبح كل شيء مفتوح على مصراعيه، بل يعتبر من السذاجة حسب الكثير من المسؤولين ذوي الرتب والشهادات العليمة العليا( بروفيسورات في مناصب المسؤولية) أن يحدث البعض عن الجدية والضوابط والمعايير والقوانين في عصرنا.
     فأن تسرق العلم في جامعتنا الجزائرية أو تغش في الامتحانات أو تزور الوثائق والشهادات فهذا أمر عادي وطبيعي للغاية( tout a fait normale) فلا يحتاج الأمر للانزعاج أو الاشمئزاز و التذمر، أو الاحتجاج بما انك في الجزائر، ما دمنا نعيش في عالم دون معايير ودون قيم ودون قوانين، وفي عالم تحكمه قانون العلاقات والمصالح والنزوات والعواطف، ومنطق طاق على من طاق في كل شيء. 
    وأن تزور  وتحتال وتخادع وتنتحل الصفة أو أعمال الغير فهو من الشطارة والحنكة والذكاء،  ومن مهارات إدارة المصالح الشخصية، بينما أن تتعامل بنزاهة وصدق فذلك من السذاجة و( الجياحة بالعامية).
    وإننا في عالم أصبح أن تغش في الميزان و في السلعة في الدراسة، في البحث العلمي وفي قرارات الإدارة و مجالسها العلمية و تزور المحاضر و تكتب فيها ما تشاء دون الالتزام بما اتفق عليه أصبح من الفضائل و المستحبات والضروريات لضمان خدمات الزبائنية والصداقات و النجاح في المسار المهني لضمان الاستمرارية في المنصب والترقيات. بينما أن تعتمد على نفسك وعلى جهد عملك بتفان و صدق وإخلاص، وتحترم القرارات الجماعية والنصوص القانونية فهو من الجهل بسنن وأدبيات العمل الإداري الجزائري.
     وان تنافق وتنمم و تنشر الفتن بين الناس والأصدقاء فذلك من فنون ومهارات المعاملة التي تقتضيها ضرورة الولاء والانتماء للعصب والحواشي، بينما أن تكون صريحا وشفافا وصادقا وثابتا على مبادئك فذلك من السلوكات الجنونية وغباء الذي يؤذي صاحبه ويكسبه العداوات والكراهية والتهميش. 
    لكن في المقابل أن تقوم بدورك ورسالتك في الحياة وتتحدث عن السرقات والتزوير والغش أو تشكفها و تبلغ عنه وفق الإجراءات العلمية المنصوص عليها قانونا، فذلك تجاوز خطير وتشويش وتمرد على الإدارة الجامعية الذي يجعل صاحبها يصنف ضمن المغضوب عليهم لأنه من الخارجين عن الصف وعن المألوف وعن الخط السائد. 
    إنه منطق الكثير من المسؤولين الإداريين في الكليات و الجامعة الجزائرية وبشكل خاص في بعض كليات جامعة سطيف، التي ظهرت فيها حالات غش وسرقات علمية لمقالات ورسائل دكتوراه ومطبوعات بيداغوجية مثبتة بأدلة مادية لا مجال فيها للشك والتأويل. أين نجد من العمداء ونوابهم أو رؤساء جامعات ونوابهم يحرضون وينصحون الأساتذة وأعضاء الهيئات العلمية والإدارية والبيداغوجية بضرورة التستر على حالات الغش والسرقات العلمية التي اكتشفت في إطار أعمال التحكيم والخبرة لأنها تسيء إلى سمعة الجامعة. وكأن السرقة والتحايل والغش والانتحال أمورا مقبولة ومعقولة لا مشكلة فيها، بينما الحديث عنها وكشفها والتبليغ عنها والمطالبة بمحاربتها هو عين الخطأ والأمر غير المقبول وغير المعقول.
  في حين نجد أن المادة رقم 24 من أحكامالمرسوم التنفيذي رقم 08-130 المؤرخ في 03 ماي 2008 والمتضمن القانون المتعلقبالبحث العلمي، في الفصل الثامن الخاص بالتأديب، والتي تنصما يلي: " زيـادة عـلى أحـكـام المواد 178 إلى 181 من الأمــررقم 03 – 06 المــؤرخ في 19 جـــمـــادى الــثـــانـــيـــــة عــام 1427 الموافــق لـ 15 يـــولــيــــوســــنــة 2006 والمــذكــور أعــلاه، وتـطـبـيـقـا لأحـكـام المادة 182 مـنه، يـعـتــبـرخـطـأ مـهـنـيـا من الـــــدرجـــــة الـــــرابـــــعـــــــة (4)قـــــيــــــام الأســـــاتــــذة الــــبــــاحــــثين  ومـشـاركـتـهم في عـمل ثـابت للانــــتـــحــــــال وتــــزويـــــرالــــنــــتـــائـج أو غــش في الأعــــمـــــال الـعــلـمــيـة المــطـالببــهـا في رســائل الـدكــتـوراه أو في أي منشورات علمية أو بيداغوجية أخرى( الجريدة الرسمية العدد رقم 23  المؤرخ في 4ماي 2008 )
    كما أن ميثاق الأخلاقيات والآداب الجامعية الصادر سنة2010 ينص بوضوح في المحور الثاني الخاص بالحقوق والالتزامات الخاصة بالآساتذة الباحثين، المحور رقم 1-2المعنون التزامات الأستاذ الباحث صفحة رقم 6 أنه:" من المهام التي يضطلع بهاالأستاذ الباحث:" احترام أعمال البحث الخاصة بزملائه الجامعيين وبالطلبة، وذكرأسماء المؤلفين. وعليه، فإن السرقات العلمية، تعد من الأخطاء الجسيمة غير المبررة التي يمكن أن تؤدي إلى الطرد".
    علما أن الإدارة حسب نفس المرسوم الوزاري هي المسؤولة الأولى والأخيرة عن السهر على تطبيق القانون بكل حذافره. بعد الإخطار من قبل الجهات والهيئات العلمية المخولة قانونا.
   سيقول الكثير أننا نعرف القانون أحسن منك ونعرف كيف ومتى نطبقه، فلسنا في حاجة إلى شطحاتك وكتاباتك مواقفك و و . . ..و . وغيرها من كلام جارح أو استفزازي يخرج من عقول مهزومة ومريضة.       وتبقى الأسئلة التي تطرح نفسها على كل عاقل وغيور ومهتم بشؤون الجامعة ورسالتها في المجتمع هي: لماذا نجد يسعى هؤلاء المسؤولون في الكثير من الجامعات الجزائرية عمداء كانوا أو نوابهم و رؤساء الأقسام و حتى رؤساء جامعات إلى تحريض الأساتذة و الهيئات العلمية ويضغطون عليها من أجل التستر عن السرقات العلمية المثبتة عندهم والتغاضي عنها وتجاوزها واعتبارها أحداثا عابرة أو معزولة، و لا تتخذ إجراءات إدارية وقانونية ضد أصحابها؟ 
   ولماذا نجد نفس المسؤولين يتشددون في تطبيق بعض النصوص القانونية في ما يخص بعض الحقوق والواجبات على الأساتذة أنفسهم لا سيما بعض الحقوق ذات العلاقة بالمنح الدراسية والتربصات العلمية وغيرها، و يفسرون النصوص السارية المفعول بطريقة انتقائية و إقصائية متعمدة ضد الكثيرين؟ 
    هل التحريض على ضرورة التستر على السرقات العلمية المثبتة بالأدلة المادية غير القابلة للشكل والتأويل يعني أن هؤلاء المسؤولين متورطون فيها؟ 
    وهل تعني أن المسؤولين الإداريين يخافون أن يكثر الحديث عن الفضائح العلمية في أقسامهم وكلياتهم وجامعاتهم، و التي تعكس سوء تسييرهم وعدم  تحكمهم في إدارة شؤون القسم أو الكلية أو الجامعة؟ أم أنهم يريدون إظهار صورة مزيفة و غير حقيقية عن ما يحدث في المؤسسات التي يشرفون عنها حتى يضمنوا ترقيات أخرى مستقبلا؟
   أم أنهم يريدون تسويق حقائق جميلة وفق قاعدة كل شيء على ما يرام حتى لا تحسب عليهم مثل تلك الظواهر السلبية المسيئة للجامعة وأخلاقياتها؟
  وهل لأنهم يصرون وينصحون على ضرورة التغاضي والتستر عن مثل هذه الظواهر السلبية لأنها تنطبق على الكثير منهم وعلى أعمالهم فيخافون أن يفضحوا هم أنفسهم يوما ما، ولذلك يمنعون تكريس تقاليد محاربتها وفق النصوص القانونية التي أوكلوا بتنفيذها وتطبيقها والسهر على احترامها؟
  وهل يعني ذلك أيضا أن هذا النوع من المسؤولين يكرسون سياسة الهروب إلى الأمام و الدفاع عن الرداءة لأنهم مستفيدون منها؟
  وما دور خلايا الجودة ومجالس أخلاقيات المهنية التي تم تأسيسها في الجامعات الجزائرية؟  هل هو التصفيق والتبرير  والتزكية للممارسات السائدة أم أنها أدوار تجويد الحياة الجامعية ومحاربه كل ما يسيء إلى رسالة الجامعة أو يقلل من دورها ومكانتها وهيبتها؟
  لكن يبدو أن الكثير من الأساتذة سواء كانوا أعضاء في الهيئات العلمية الرسمية اللجان والمجالس المنتخبة، قد استسلموا للأمر الواقع، و ليس لهم من أدوار داخلها إلا التصفيق و المساندة، و الوقوف مع الواقف و العمل بما حتى ولو كان مخالفا للقوانين السارية المفعول، للأسف الشديد. 
   ألا يعتبر الساكت عن السرقة أو التزوير والغش كفاعله في أدبيات كل القوانين الدولية والوطنية؟ 
   أليس من العيب والعار على مسؤولين يحملون ألقابا و رتبا علمية عالية أن يخونوا الشهادات التي يحملونها ويخونوا الأمانة التي كلفوا بها من قبل الدولة و المجتمع ويتواطئون مع كل الغشاشين والسراقين والمتسلقين على ظهر أعمال غيرهم؟
    ألا نلاحظ جميعا أن جامعتنا أصبحت تكرس اللامعيارية و الرداءة بتصرفات مسؤولين تتحكم فيهم مصالحهم وعلاقاتهم الشخصية أكثر ما تستفزهم النخوة وروح المسؤولية واعتبارات المصلحة العمومية ورسالة الجامعة؟  
   ألا  تعبر تلك التصرفات والتوصيات، وكأن المسؤولين يقولون للجميع بشكل ضمني أن رسالتهم ودورهم في إدارة شؤون الجامعة هي المحافظة على مصالحهم ونفوذهم وخدمة مصالحهم ومصالح من نصبهم فيها وليكن بعدهم الطوفان؟
   فماذا بقي من مصداقية لأعمال الخبرة والتحكيم العلمي التي ينجزها الكثير من الأساتذة بنزاهة ومهنية  وموضوعية حول المقالات و المطبوعات البيداغوجية ومشاريع البحث إن كانت ترمى في المهملات وفي أدراج المكاتب الإدارية؟ ألا أن يتخذ الكثير من الأساتذة قرارا بعدم إجراء أي أعمال خبرة ولا تحكيم لآي عمل علمي ولا بيداغوجي مادامت الإدارة تتجاهل بل تحرض على تجاهل تقاريرهم، فتنشر لمن تشاء في المجلات وتقبل مطبوعات من تشاء من الموالين والمقربين والمتنفذين لتسوية من تشاء خارج كل الأطر العلمية والقانونية المتعارف عليها وطنيا و دوليا؟
   فإذا كان الكشف عن الظواهر السلبية في الجامعة ودراستها والعمل على معالجتها من صميم مسؤوليات ورسالة كل الباحثين والأساتذة الجامعيين في المجتمع، فإن القيام بالأدوار والمسؤوليات الإدارية بشفافية ومهنية كذلك يعتبر واجبا مهنيا وأكاديميا وأخلاقيا واجتماعيا وقانونيا على كل من تقلد أي منصب في هياكل الإدارة. وبذلك تكتمل حلقة التكامل في الأدوار لخدمة المجتمع.
    أليس من الواجب علينا جميعا كمثقفين وجامعيين وأكاديميين أن نتجند لمحاربة كل الظواهر السلبية المتنامية في جامعاتنا؟
    أليس من العيب علينا أيضا وعلى مؤسساتنا السكوت عن الانتحال والسرقات العلمية التي طالت حتى أسئلة الامتحانات الرسمية في المدرسة الجزائرية والبرامج  التلفزيونية والإذاعية والأعمال الفنية الدرامية والأدبية وحتى البنوك والمشاريع السكنية وكل مجالات الحياة في مجتمعنا؟
   هل يعني ذلك كله أن جامعتنا أصبحت تكون مزورين وغشاشين و سراقين محترفين في كل ميادين الحياة؟. 
   إنها أسئلة تحتاج إلى التفكير الجماعي والدراسة العلمية الموضوعية العميقة لنخرج بأجوبة وحلول معقولة موضوعية لعلها تعيد إلى جامعاتنا بعضا من كرامتها وهيبتها ومكانتها.
   ولكننا عندما نعلم أن غالبية حالات السرقات العلمية التي تم اكتشافها و اتخذت ضد بعضهم إجراءات إدارية  هم مسؤولون رسميون في الكليات بالجامعات الجزائرية (حالات عميد كلية جامعة أدرار، عميد كلية جامعة مستغانم، و عميد كلية جامعة خنشلة وغيرها...) هم المسؤولون عن هيئات تحرير المجلات الجامعية لا تخضع مقالاتهم ومقالات المقربين إليهم وأصحابهم إلى التحكيم العلمي، لذلك نفهم لماذا يبرر و يتستر الكثير من مثل هؤلاء عن السرقات العلمية المثبتة في مؤسساتهم اليوم. 
                                                         سطيف في 06 جويلية 2015

                                           الدكتور خالد عبد السلام جامعة قسم علم النفس سطيف2

Aucun commentaire: