lundi 11 avril 2016

نشر ثقافة الكراهية عبر المساجد هي مقدمات منطقية للعنف الاجتماعي؟

نشر ثقافة الكراهية عبر المساجد هي مقدمات منطقية للعنف الاجتماعي؟
فهل نتجند لتحصين أمننا الفكري والعقائدي؟
 إعداد الدكتور خالد عبد السلام قسم علم النفس جامعة سطيف2
      منذ سنة 2011 عندما أطلقت شرارة ثورات الربيع الأمريكي في العالم العربي، تحولت مساجد العالم العربي و الإسلامي ووسائل إعلامه إلى منابر لزرع الكراهية و الضغائن والأحقاد بين المسلمين،( مذاهب، وأعراق وديانات وكيانات وطوائف) و التي سيطرت عليها جماعات وهابية (سلفية) وجماعات إسلامية أخرى متعددة المشارب والاتجاهات، حيث جندت كل طاقاتها لتنفيذ المشروع المزعوم تحت قناع تحقيق الحريات والديمقراطية نهاية عصر الديكتاتوريات، على غرار ما فعلته في أفغانستان في تسعينيات القرن الماضي عندما قامت بتشحين عقول الشباب العربي بمفاهيم الجهاد ضد الكفر و الإلحاد، وما تبع ذلك من دعايات وعمليات غسيل للدماغ لكسب قلوب الناس واستمالتهم إليها وتجنيدهم بعد التحكم في عقولهم وعواطفهم و مواقفهم. لكن حقيقة الأمر اكتشفت فيما بعد، و تبينت أن العملية ما هي إلا حرب نفسية دعائية أمريكية بامتياز لتحشيد المواجهة الجيو إستراتيجية، من اجل تحطيم القطب والمعسكر الشيوعي وسيطرة القطب الرأسمالي الغربي والانفراد الأمريكي بالقرار الدولي من خلال التمكن من بتأسيس نظام دولي أحادي القطب.( راجع كتاب السيطرة أم الخضوع ، السعي الأمريكي للسيطرة على العالم لنعوم تشومسكي ص 137 و138) والذي بين فيه استنادا إلى وثائق رسمية ومحاضر جلسات رسمية ودراسات علمية صادرة من مراكز دراسات إستراتيجية تابعة لمصادر القرار الأمريكي  المختلفة وردت في الهوامش كيف جندت أمريكا وحلفاءها من العرب، الجماعات الإسلامية المختلفة في مشروعها لتحطيم الاتحاد السوفياتي سابقا).
    حيث عملت هذه الجماعات الدينية في العالم العربي والإسلامي على توظيف العواطف الدينية كإستراتيجية للتحكم في عقول الشباب و كسب مودة و تأييد الرأي العام العربي والإسلامي عبر منابرها الإعلامية و خاصة عبر المساجد، في كل خطابهم للترويج لأفكارها السياسية والإيديولوجية، بينما هي في مضامينها تعمل على التجنيد العاطفي والوجداني للكثير من الشباب الجزائري للانخراط في الجماعات المتطرفة المنتشرة في سوريا والعراق وليبيا، على غرار ما فعلته خلال الحرب الأمريكية العربية ضد الإتحاد السوفياتي في أفغانستان في ثمانينات القرن الماضي كما أشرنا إلى ذلك سابقا،( أين وصلت هذه الدعاية الإعلامية لتلك الحرب المقدسة في الخطاب المسجدي والدعوي لهذه الجماعات إلى الإدعاء عن ظهور كرامات( شبه معجزات) في الجهاد الأفغاني و بأن المجاهدين الأفغان كانوا يرمون دبابات السوفيات بالرمال فتتفجز لوحدها، وان الملائكة تقاتل إلى جانبهم وغيرها...) وهو نفس الخطاب الذي سمعناها منذ أحداث الربيع الأمريكي في الدول العربية منذ سنة 2011عبر قنوات عربية من قبل مشايخ لبعض الجماعات الدينية العربية. و مازلنا نسمع يوميا خطبا مسجدية وإعلامية تتضمن نزعة عنصرية ومذهبية عنيفة وبغيضة تستفز المشاعر والقلوب وتستغبي العقول باللعب على المصطلحات والمفاهيم والكلمات الدينية التي تؤل فهمها للدين حسب نزعتها السياسية وإيديولوجياتها الفكرية، ووصل بالكثير منهم إلى مستوى الاتهام بالفسق والكفر والخروج عن الدين والردة لكل من يختلف مع توجه هذه الجماعات في التفكير والتصور والفهم للدين سواء كانوا من مذاهب إسلامية أخرى أو كانوا من نفس المذهب أو أنهم ينتمون إلى جماعات أو أحزاب أو تيارات فكرية أو سياسية مختلفة أو كانوا ينتمون إلى ديانات وأعراق وطوائف متنوعة أو كانت شخصيات ثقافية وعلمية وفنية أو فكرية. كما أصبح كل من يناقش هؤلاء في أطروحاتهم ودعاياتهم الإعلامية ويحاول كشف الملابسات والخلفيات الإيديولوجية والسياسية التي تحركهم في إطار لعبة الأمم (منظومة عالمية أو قُطرية) إلا و تعرض للاتهام بالتخوين والعمالة باستعمال النمطية الفكرية المعهودة. كما كنا ومازلنا نسمع بالوعيد للجميع بالقتل والذبح والتهجير والتنكيل لكل من لا يبايعها عبر شبكات التواصل الاجتماعي وخاصة صور الفيديو باليوتيب وغيرها.
   و منذ ذلك التاريخ ( 2011) كان الجميع يسمع عبر المساجد كل يوم جمعة خطبا نارية تعلن رفضها الاعتراف بأي فكر آخر أو اجتهاد مختلف أو رؤية متنوعة للحياة غير ما تعتقده أو تراه هي فقط وفقا للمنطق الفرعوني في تعامله مع قومه عندما قال لهم في قوله تعالى: ﴿ قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ ﴾ [غافر: 29]، ووصل خطاب بعض الأئمة في احد المساجد بولاية سطيف  إلى الإعلان خلال الخطبة من على المنبر بأن جماعته تعتبر من الجماعة الناجية، ونادى المصلين إلى ضرورة الانخراط في الجماعة السلفية لأنها لا تشكل خطرا على الجزائر، رافضا في ذلك لكل الجماعات الإسلامية الأخرى التي خصص لكل منها خطبتين كل يوم الجمعة... ووصل به الأمر إلى اعتبار من يعترض كلام علماءهم ومشايخهم أو يناقشهم أو ينتقدهم أو يرد على فتاويهم بأنه زنديق ومنافق....
    ونتيجة لذلك تشبع الكثير من الشباب في مجتمعاتنا بهذا الخطاب، حتى وصل الأمر بالكثيرين من هذه الجماعات الدينية في الجزائر وفي الكثير من البلدان العربية والإسلامية إلى درجة العمل من اجل السيطرة على المساجد والتحكم فيها بكل الوسائل في الجامعات والأحياء الشعبية والقرى والمدن، حتى باستعمال العنف ونشر الأكاذيب والدعايات والفتن و النميمة بين المصلين لرفض الصلاة وراء أئمة معينين لعدم انتمائهم التنظيمي لجماعاتهم أو لإيديولوجياتهم. و قد تمكن المال العربي في الكثير من الأحيان من شراء حتى عقول وأقلام الكثير من الإعلاميين والمثقفين والمفكرين للترويج لمشروع الفتنة الذي بشر به كيسنجر في ثمانيات القرن الماضي عندما قال أنه سيأتي اليوم الذي نشعل حرب المائة سنة بين الشيعة والسنة على غرار حرب المائة سنة بين الكاثوليك والبروتيستانت في أوروبا في القرن الثامن عشر الماضي.  
   كما ساهم مثل هذا الخطاب في زرع الخوف والكراهية والأحقاد بين الناس والمصلين أنفسهم، وكما ساهم في التشكيك في دينهم وفي عقائدهم من خلال اتهام كل من لا يفكر مثلهم أو لا يصدقهم أو لا يسلم بما يقوله مشايخهم ودعاتهم أو خالف علماءهم بالكفر والردة عن الدين. وبذلك من المنظور النفسي الاجتماعي فهو وعيد مبطن وغير مباشر بجواز سفك دم وقتل كل من خالف أو اعترض أو التمس شيئا من كلام دعاتهم أو انتقد طريقة تفسيرهم و فهمهم للدين أو فتاويهم..... و وصل الأمر لدى أئمة وخطباء هذه الجماعات الزارعين لثقافة الكراهية، حتى إلى اعتبار كل المثقفين والمفكرين الذين لا يفكرون مثلهم أو يستندون إلى المرجعيات والمناهج الغربية بأنهم رويبضة ( أي التافهين الذين يتكلمون في أمر العامة...) (و الأمثلة كثيرة حول ما سمعناه من خطاب متطرف ومتعصب و تكفيري يزرع الأحقاد والضغائن في نفوس المصلين، ضد الجميع حتى ضد أولئك الذين لم يسدلوا اللحى أو يقصروا السراويل، و ضد كل من يحاول استخدام عقله في فهم الدين الذي وهبه الله وميزه به عن سائر المخلوقات في التدبير في شؤون حياته الخاصة والعامة، ....).
      وهنا نتساءل كيف لمثل هؤلاء أن يعتبروا عقولهم هي الراجحة والصائبة في فهم الدين وفهم الحياة، ويعتبرون عقول غيرهم غير صائبة ولا تفقه الدين؟ من الذي نصب هؤلاء أوصياء على عقول المسلمين الآخرين ليمنعوهم من استخدام عقولهم أيضا كما استخدموها هم في فهم الدين والدنيا؟  وكيف يسمح لمثل هؤلاء أن يستولوا على المنابر المسجدية والإعلامية ليمارسوا إرهابا فكريا وعقائديا على بقية الناس؟ وهل يعقل أن ينصب هؤلاء أنفسهم مرجعا وحيدا وحصريا في فهم أمور الدين و الدنيا ويعتبرون كل من يفكر بطريقة مختلفة عنه زنديقا أو كافرا  أو مرتدا؟ من هم هؤلاء الناس الملهمين بهذا التفكير والمنطق الفريد من نوعه ليقولوا لغيرهم من الناس وما نريكم إلا ما نرى، ولا عقل إلا عقولهم هم فقط ؟ هل يعني ذلك ضمنيا أن الآخرين الذين لا يفكرون مثلهم بمثابة بهائم لا تملك العقول فيجب عليهم إتباع ما يقوله هؤلاء فقط؟    
   والغريب في الآمر أن كل ما يحدث، كان ومازال تحت أنظار وعلم كل المؤسسات الرسمية والمجتمعية، فرغم الأخطار المترتبة عنها، إلا أنه لا احد يتحرك أو يحاول وضع حد لمثل تلك التصرفات و لذلك الخطاب التكفيري الذي أسس لثقافة التناطح و التنافر والتباعد والكراهية بين النفوس والقلوب والعقول، و أسس لما سميناه في وقت سابق لـ"سايكس بيكو سيكولوجي" الذي يمهد للاقتتال والتناحر وسفك الدماء وتمزيق النسيج الاجتماعي والثقافي لمجتمعاتنا وتحقيق مشروع سايكس بيكو ـ الجغرافي ( تفتيت المفتت وتمزيق الممزق).
   فرغم تنبيه وتذكير بعض الكتاب والمفكرين والمهتمين والباحثين الجامعيين بخطورة تنامي هذا الخطاب المتطرف التكفيري العلني وانعكاسه على الأمن النفسي والاجتماعي والقومي لمجتمعاتنا في المستوى القريب والمتوسط  والبعيد، ورغم الدعوات والنداءات المتكررة التي قدمت ذلك الوقت لكل المثقفين والمفكرين والجامعيين من اجل المساهمة في مناقشة قضايا التطرف والتعصب الفكري والديني والسياسي وخاصة قضية التكفير والتفسيق والاتهام بالزندقة جهارا ونهارا في الخطب المسجدية كل يوم جمعة، من اجل تنوير الرأي العام وتثقيف وتوعية الشباب الناشيء وتحصينه من كل أشكال الانحراف الفكري و العقائدي والتجنيد التنظيمي من قبل هذه الجماعات المتطرفة. إلا أن الكثيرين كانوا إما مساهمين في التحريض بشكل غير مباشر عبر تعليقاتهم المباشرة وغير المباشرة، أو مباركين و مؤيدين له أو متواطئين معه أو ساكتين عنه، بل التمسنا وجود الكثيرين الذين مازالوا يعتقدون أنها فرصة سانحة للتغيير نحو الديمقراطية والحريات.(وتحقيق المشروع الإسلامي المزعوم). ولكن للأسف الشديد كانوا يجهلون أنهم ضحايا الحرب النفسية التي مارسها القصف الإعلامي الدعائي للمشروع الفتنوي الغربي الأمريكي، عبر القنوات التلفزيونية ومواقع الأنترنيت الممولة والمؤسسة بالمال العربي والمدعمة غربيا، (بدليل أن مواقع الفلسطينيين وصفحاتهم في شبكات التواصل الاجتماعي التي تدعوا إلى الانتفاضة والمقاومة ضد النازية الإسرائيلية وضد الهيمنة الغربية الأمريكية، تحجب وتحارب بينما مواقع الجماعات التكفيرية والمتطرفة التي تدعو إلى قتل وذبح وسفك دماء المسلمين يشهر لها ويترك لها المجال لتنشط كما تشاء ولا تلق أي اعتراض أو لا تحارب) التي هللت وبشرت بزوال الديكتاتوريات في منطقة الشرق الأوسط متناسين أن أصحاب التهليل أنفسهم من بعض الأنظمة العربية المتحالفة مع المنظومة الغربية الأمريكية هي أكثر الممارسين للديكتاتورية نفسها بأبشع صورها ضد كل من حاول حتى كتابة قصائد شعرية نقدية ضد أمراء أو ملوك أو وزراء أو سياسيين، وضد كل كتابات أو تغريدات معبرة عن رأي حر في مواقع التواصل الاجتماعي الافتراضي.
    وقلنا آنذاك أنه: سيأتي اليوم الذي نكتشف فيه جميعا: " أننا أكلنا يوم أكل الثور الأبيض"
   ـ لأن زراعة الكراهية والأحقاد هي مقدمات منطقية للعنف الاجتماعي الذي يأتي على الأخضر واليابس، ويعبث بكل مقومات الحياة ويدمر كل عوامل التنمية الاجتماعية الشاملة.
    علما أن هذا النوع من الخطاب المتنامي في الكثير من مساجدنا يعتبر من منظور السيكولوجية الاجتماعية نوعا من التجنيد الفكري والعاطفي المؤدي بالضرورة إلى الانخراط التنظيمي للكثير من الشباب المتحمس والمتعطش لتحقيق الذات عبر المغامرات البطولية الوهمية التي تصور له، خاصة عندما تلبس بثوب المقدس وقناع الدين والغاية النبيلة، و تشحن دوافعهم باستثارة غرائزهم الحيوانية بجواز  سبي النساء وجهاد النكاح وحور العين في الجنة وغيرها من المفاهيم التي تتجاوب وتنسجم مع الحاجيات النفسية للمراهقين الذين يعيشون فراغا عاطفيا ونفسيا وفكريا و تهميشا أو ظلما اجتماعيا.
   فها هي شرارة الفتنة بدأت تشتعل و كتلة النار تتدحرج شيئا فشيئا في بيوتنا، ومظاهر التهديد بالذبح والقتل والتفجير والتنكيل بنا منشورة و معلنة للجميع، فهل نستفيق من غفلتنا وسباتنا ونتجند لمحاربة الفكر الفتنوي المتعصب وتصورات أصحابها وكشف خيوط اللعبة الدولية التي تقف وراءه لنحصن مجتمعاتنا من تبعاتها وأخطارها المدمرة؟
     فمتى نتحرك للعمل الجواري الميداني؟ ومتى تتوقف وسائل الإعلام العربية والإسلامية العمومية منها والخاصة عن إلهائنا بالقضايا الهامشية والألعاب التافهة والموضوعات الفارغة، و تتجند لتقوم بدورها التوعوي والتحسيسي بفتحها المنابر لذوي الخبرة والاختصاص في مختلف العلوم والمقاربات المعرفية لتحليل الخطاب التكفيري الفتنوي لفهم أبعاده وكشف تناقضاته وملابساته وخلفياته وغاياته ومعرفة صانعيه الحقيقيين لزرع الوعي الحضاري في مجتمعاتنا وتحصينها فكريا وثقافيا وعقائديا واقتصاديا وسياسيا وإعلاميا من كل الانحرافات المدمرة ومن كل القابلية للتجنيد والتطرف؟ ومتى تساهم هذه الوسائل والمنابر في نشر ثقافة الاختلاف وقبول الآخر و تأسيس ثقافة التسامح الديني والفكري والسياسي لتحقيق معنى كلمة السلام التي ننطقها نحن المسلمون أكثر من مليار مرة كل ساعة حسب تقديرات المهدي المنجرة في كتابه قيمة القيم؟ تحقيقا لحكمة الوجود المتنوع المذكورة في القرآن الكريم، في قوله تعالى:" "يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا... " الآية 13 من سورة الحجرات. وقوله تعالى: "ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن يضل من يشاء ويهدي من يشاء ولتسألن عما كنتم تعملون "(الآية 93 من سورة النحل).
  هي أسئلة مفتوحة ونداء للجميع للمساهمة في النقاش والتجاوب والعمل على تفكيك العقول المتحجرة و القلوب المريضة من أجل تبديد المخاوف وزرع الأمل والتفاؤل في الحياة، لخدمة مستقبلنا إذا أردنا العيش في امن وسلام. فالسلام عليكم ورحمة الله,

                                                   سطيف في 20 جويلية 2015

                                                                         الدكتور خالد عبد السلام

                                                                                      جامعة سطيف2 الجزائر. 

Aucun commentaire: