متى
يتحرر العرب والمسلمين من الأصنام الفكرية والدينية والحزبية التي لوثت تفكيرهم؟
الدكتور خالد عبد السلام قسم علم النفس وعلوم التربية والآرطفونيا جامعة
سطيف2 الجزائر.
لقد تحدث هنري كسينجر في ثمانينات القرن
الماضي عن "حرب المائة عام المقبلة" في المنطقة العربية والإسلامية وقال
فيما معناه: "سنغرق العالم الإسلامي في صراع بين السنة والشيعة على غرار حرب
المئة عام بين الكاثوليك والبروتستانت.
وهي
الحرب التي أعادت صياغة أوربا على هوى واضعي السياسة العالمية". ( http://swtmowatn.com)
وهذا المشروع أصبح يتجسد يوميا عبر القصف الإعلامي العربي و الغربي وفي
تصريحات الكثير من السياسيين والمحللين الذين يختارون بدقة عالية لترويج هذا
الصراع من خلال تعمدها إعطاء الألوان الدينية و المذهبية للصراعات السياسية والإستراتيجية
في المنطقة العربية والإسلامية بين القوى الدولية المتنافسة على ثرواتنا الطبيعية
عن طرق التركيز المقصود في وصف المتصارعين بانتمائهم العقائدي
والمذهبي كما حدث في العراق وسوريا وحتى في مصر عند قتل العمال المصريين في ليبيا.
بينما
نفس الإعلام الغربي والعربي يصف المواطنين الغربيين بانتمائهم الوطني عند كل حدث
سياسي أو امني في بلدانهم أو خارجها.( مواطن امريكي او مواطن فرنسي أو مواطن بريطاني).
فمثل هذا التصرف مبني على دراسة علمية لخصوصيات ومميزات التفكير لدى
مجتمعاتنا العربية والإسلامية التي تعيش بالماضوية و تقدس الأحداث التاريخية وتعتبرها
جزءا من الدين والعقيدة، حيث كل جماعة أو طائفة تُعلب عقول أتباعها ومريديها
بقداسة تلك الأحداث، التي يجب تبجيلها وعدم مناقشتها ونقاشها أو نقدها أو التفكير في إعادة
مراجعة الكثير منها خاصة تلك التي ارتكبت فيها أخطاء كثيرة في حق
الإنسان وكرامته وحريته للتأسيس من جديد لثقافة الاختلاف والتعايش، والتسامح
الفكري والديني في إطار دولة القانون والعدل.
وهو ما خلق حساسيات مذهبية ودينية عبر كل المراحل التاريخية
وخاصة في السنوات الآخيرة بعد بروز قوى دولية ناشئة منافسة للنفوذ
الغربي تعمل على إعادة تشكيل النظام الدولي الجديد ليكون أكثر توازنا بين عدة
أقطاب و منع احتكاره من قبل قوة عالمية واحدة. وهو ما أشار إليه كيسنجر صانع
السياسة الخارجية الآمريكية عندما كشف سنة 2012 لموقع (ديلي سكيب) الأمريكية عن المخطط الذي
تتبناه أمريكا قال فيه:" لقد أبلغنا
الجيش الأمريكي أننا مضطرون لاحتلال سبع دول في الشرق الأوسط، حيث البترول
والاقتصاد ثم .... سيكون المسمار الأخير في النعش الذي تجهزه أمريكا وإسرائيل لكل
من إيران وروسيا بعد أن يتم منحهما الفرصة للتعافي والإحساس الزائف بالقوة. سيسقطان
وإلى الأبد، لنبني مجتمعا عالميا جديداً لن يكون إلا لقوة واحدة وحكومة واحدة هي
الحكومة العالمية «السوبر باور» وقد حلمت كثيراً بهذه اللحظة التاريخية". حيث سجلنا للأسف إثارة لمثل هذه العصبيات
وتشحين للكراهية فيما بين الجماعات الدينية والمذهبية لا لشيء إلا لأنها
أصبحت جزءا من ضرورة وقود الصراع في القضايا الاستراتيجية الدولية التي توظفها
الدول العظمى لتنفيذ سياساتها ونفوذها في منطقتنا العربية والإسلامية الغنية
بالثروات الطبيعية، على حساب مصالحنا وأمننا القومي، كما سارت العادة في
أفغانستان وكوسوفو سابقا. لأن أمتنا ببساطة إما أنها لا تقرأ و لا تستفيد من تجاربها
الماضية وتكرر نفس الاخطاء التاريخية وتتلذذ بالعيش بأحقاد الماضي وكانه قدر محتوم عليها لا تستطيع التفكير في واقعها بطريقة مختلفة، وإما أن امتنا مازلت تحت الاستعباد الغربي لا تملك حرية قراراتها
وإرادتها مسيرين لا مخيرين في كل ما نفعل ونريد.
لكن الشيء المستغرب
هو هذا الحماس الذي تبديه الكثير من الحركات الإسلامية و المذهبية عبر
منابر المساجد ووسائل الإعلام وفي تجمعاتها في تغذية الكراهية الدينية والمذهبية المفضي
إلى الصراع والاقتتال الممقوت شرعيا وعقليا
وأخلاقيا واجتماعيا واستراتيجيا. بل نجد خطاباتها في كل صراع سياسي من أجل الحصول
على المناصب والنفوذ في السلطة أو لتحقيق مصالح اقتصادية تغلفه دائما بشحنة دينية
وطائفية أو مذهبية، لدغدغة وتهييج المشاعر والتلاعب بالعقول وتكريس مزيدا من
الكراهية والعداوات في قلوب و أذهان الأتباع لسُوقُها كالقطيع لتنفيذ مخططاتها
بغباء. في الوقت الذي يستشهدون فيه بأحاديث للرسول صلى الله عليه وسلم "
الفتنة نائمة لعن الله من أيقظها" وغيرها من الآيات القرآنية التي تحرم قتل
دم المسلم للمسلم وتحريم قتل النفس البشرية بغري حق.
لكن يبدو أن الجميع
منخرط في تنفذي المشروع الفتنوي لتهديم كل مقومات الحياة المتحضرة في منطقتنا
العربية والإسلامية، بدليل أن من يفكر بطريقة مخالفة بالنسبة لهؤلاء يقصف بقنابل وصواريخ
من التهم والتخوين والتكفير التي تستبيح لحمه ودمه وممتلكاته وعرضه وكل شيء يرمز إليه
ماديا ومعنويا. وكانهم اصبحوا أربابا من دون الله في الآرض.
إنها نوع من الجهالة
بعينها التي تجذرت في ثقافتنا وفي تفكيرنا، حيث أصبح الكثير منا يحاور نفسه اكثر
ما ينفتح للحوار مع من يخالفه أو يختلف معه. بل أصبح الكثير منا يعتقد في نفسه انه
يملك الحقيقة وعلى حق فيما يقوم به خاصة عندما يستحضر في قرارات نفسه انه يناصر
الدين و يريد إحقاق الحق، فعندها يزداد انغلاقا على نفسه و يزداد حماسة واندفاعا
وتعصبا ضد كل من يناقشه. لأنه تربى منذ صغره وتلقى دورات في غسيل المخ عبر القصف
الإعلامي اليومي، على قناعات واعتقادات عَوْلبتْ عقله و علمته أنه كل تصرف مغلف بعنوان نصرة الدين يعتبر
شيئا مقدسا لا يقبل النقاش ولا الجدال مهما كان نوعه حتى ولو كان ظلما وعدوانا على الاخرين، و حتى ولو كان الأمر يهلك
الدين أو يشوهه أكثر ما يناصره أو يؤدي إلى مفاسد في الأرواح و الأعراض والعقول
والحقول.
إنه نتاج التفكير النمطي
و الايديولوجي الذي أغشى عقول الكثيرين في مجتمعاتنا عن حقيقة قبول الآخر
والاستماع إليه والتفاعل معه ايجابيا للاستفادة من رؤيته ونظرته وفهمه للأمور. ( فالحكمة قد نتعلمها من افواه المجانين وليس العقلاء فقط لذلك لا يحق الانسان ان ينصب نفسه مالكا للحقيقة المطلقة). حتى
أصبح كل مسؤول أو خطيب أو زعيم أو رئيس أو أمير حزب أو جماعة في مجتمعاتنا يعتقد في
نفسه انه لمجرد انه يحمل تلك الصفة وتلك الهالة من المكانة والمسؤولية فهو منزه من
كل الأخطاء وكل ما يقوله أو يقوم به أو يقرره فهو صائب ويخدم الصالح العام وصالح
المجتمع والأمة حتى ولو كان خيانة للأمانة أو تآمر أو استباحة لدم المسلمين أو
إهدار لأموالهم وممتلكاتهم أو نشر للفتنة والعداوات بين الناس. لأن ذلك يحقق لهم إشباعا
نفسيا لغريزة التسلط، ونشوة الاستعلاء على عقول الآخرين.
وفي هذا الصدد كتبت جريدة
نيويورك بوست في 21 نوفمير 2013: "أن
المشاكل الطائفية تزيد مع زيادة المذابح، فبعد دوامة “الربيع العربي” أصبح القتل
ليس فقط لعبادة الإله الخطأ ولكن لعبادة الله بطريقة خاطئة، فيبدو أن البشر يفضلون
قتل جيرانهم بدلا من عدوهم".
فلمصلحة من هذه الحروب المشتعلة في كل بلداننا
العربية والإسلامية من طانجا إلى جاكرتا؟
هل نتحمل وزر أخطاء التفكير التي وقع فيها اجدادنا ونبقى حبيسن في مستواهم ورؤيتهم ولا نتجدد ولا نتغير في عالم سريع التغير والتطور نحو الاحسن في كل مجالات الحياة؟
هل من المنطق ومن العقل ان نرهن مستقبلنا وحياتنا بعقول وتفكير والطريقة التي عالجت بها الأمم التي خلت من قبلنا؟ والتي قال عنها ربنا عز وجل: " تلك امم قد خلت لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ولا تسألون عما كانوا يفعلون".
هل إذا أخطأ الاولون في أسلوب التفكير والمعالجة لمشكلاتهم بطرق همجية وإجرامية نسير على خطاهم وكأننا لا نملك عقولا ولا علما ولا تفكيرا نجتر اخطائهم بطرقية عمياء؟
ومتى تعلوا المصالح العليا لآمتنا على حساب المصالح الضيقة
للجماعات والأحزاب والمذاهب والدول القطرية؟
و لمصلحة من
مثل هذه الثقافة التخويفية والدعاية لكراهية الآخرين الذين يختلفون معنا في التفكير
والفهم للدين والأمور السياسية والحياتية؟ من منا يستطيع الادعاء أنه يملك الحقيقة المطلقة؟ ألسنا جميعا بشر نملك نفس العقول؟ من الذي اعطى الحق لنفسه ممارسة الوصاية على عقول الاخرين وفرض فهمه وتصوره عليها رغما عنهم؟
ومتى يرقى تفكير الكثير
من السياسيين والمفكرين والمنظرين للجماعات والأحزاب والمذاهب في الوطن العربي والإسلامي إلى
مستوى إدراك مثل كل هذه الأخطار على أمننا القومي العربي و الإسلامي في القريب
والبعيد المدى؟
ومتى نتحرر كمسلمين
من هذه الأصنام الجديدة (صنم المذهب وصنم الجماعة وصنم الحزب وصنم الطائفة وصنم
القبيلة وصنم العرق والجهة) التي ورثناها عن امم قد خلت، و روجتها لنا وسائل الإعلام العربية والغربية لتشحين عصبياتنا لدفعنا إلى المزيد من الاقتتال بدل أن نتعامل كمسلمين منتمين إلى دين واحد وتاريخ مشترك؟
ومتى نستفيد من التجربة
الأوروبية في تجاوز خلافاتها التاريخية والدينية والمذهبية ونؤسس مفهوما جديدا
للأمن القومي العربي و الإسلامي يضمن لنا الوجود والاستمرارية بين الأمم، نستطيع
من خلاله فرض كلمتنا في الأحداث الدولية، ونحافظ على ثرواتنا لخدمة المشاريع
التنموية لمجتمعاتنا للخروج من الفقر والتخلف والتبعية في كل المستويات؟
إنها أسئلة تحتاج إلى تجنيد
كل المختصين والمفكرين و الإعلاميين ورجال الدين والثقافة لوضع إستراتيجية علمية
لمواجهة مثل كل هذه الذهنيات التي تغذي ثقافة التناحر والتقاتل بدل التعايش
والتسامح و تهدد أمننا القومي والفكري وانتماؤنا الحضاري لتحصين مجتمعاتنا من كل
الحروب والاختراقات الفكرية المتطرفة والدخيلة.
فكم نحن في حاجة إلى عمل نفسي بيداغوجي واجتماعي
على مستوى الأسرة والمدرسة والإعلام والخطاب الرسمي والشعبي والمسجدي والمؤسساتي
ليساهم في تغيير تصوراتنا وتفكيرنا لنكون أكثر انفتاح على بعضنا البعض و أكثر
قبولا لآراء وأفكار واقتراحات بعضنا البعض، فنتعلم فن العيش مع بعضنا البعض في أمن
وسلام وفن التحضر الذي يرقى بنا إلى مصاف الأمم المتقدمة في انتهاج أسلوب الحوار والتواصل والتفاوض في حل خلافاتنا ومشاكلنا.
سطيف في 27 مارس 2015 .
الدكتور
خالد عبد السلام قسم علم النفس وعلوم التربية والارطفونيا
جامعة
سطيف2 الجزائر.
