الدكتور خالد عبد السلام
جامعة محمد لمين دباغين سطيف2

في الوقت الذي نجد فيه كل جامعات العالم تصنف
ضمن أحسن وأهم مؤسسات عالمية من حيث إنتاج المعرفة والعلوم والتكنولوجية ومن حيث
نوعية التكوين الذي تقدمه، ومن حيث نوعية وكفاءة الإطارات ذات المستوى العالي التي
تكونها وفق معايير ومقاييس الجودة العالمية، و التي بواسطتها تستطيع تحقيق مشاريع
التنمية المستدامة والتطور لمجتمعاتها، نجد الجامعة الجزائرية تعيش مفارقات عجيبة في
كل العمليات البيداغوجية، وتدني مستمر في المستوى التعليمي والتكويني لمتعلميها
وطلبتها في كل المراحل والمستويات. حتى أصبح هناك اتجها عاما وسائدا في الجامعات
الجزائرية يدعم ويعزز بشكل مباشر أو غير مباشر منطق الحصول على النقاط و الشهادات
بأي طريقة وبأي ثمن كان دون استحقاق ولا بذل جهد.
فإذا كان أصل التكوين أنه عمل بيداغوجي ممنهج
ومتدرج يسعى إلى بناء شخصية الإنسان من جميع جوانبها الجسمية العقلية والنفسية
والاجتماعية، ليصبح هذا الأخير يفكر ويتصرف بكيفية ذكية تمكنه من القدرة على حل المشكلات التي
تواجهه سواء في حياته الاجتماعية أو في حياته المهنية والاقتصادية أو حتى في حياته
الشخصية، فإن واقع التكوين في جامعاتنا الجزائرية تشوبه الكثير من النقائص والعيوب
التي تستلزم منا إعادة النظر فيه من جميع النواحي وخاصة الجوانب المتعلقة
بالبيداغوجيا وأخلاقيات التعلُّم (أسلوب وطريقة التدريس والتكوين ،الأعمال الموجهة
أو التطبيقية وأساليب التقويم، إلى جانب طريقة التعامل مع أعمال الطلبة وانضباطهم وغيرها).
فالشيء
الذي لفت انتباهي أكثر في واقع الجامعة الجزائرية خلال تجربتي المتواضعة في عملية
التكوين هو سلوك ونظرة الطلبة اتجاه عملية
التكوين الجامعي، أين يتصرفون بمنطق يتنافى وفلسفة التكوين والتعليم حتى أصبحوا يتخبطون
في مشكلات متعددة تعيق رفع مستواهم العلمي وتشوه عملية تكوينهم وبالتالي تجعلهم يتخرجون
بشهادات جامعية بينها وبين مستواهم العلمي و طريقة تفكيرهم لا يلتقيان بينهما برزخ
لا يبغيان.
أول هذه المشكلات التي تواجه طلبتنا هي مشكلة
الفراغ (البطالة البيداغوجية الجامعية):حيث يقضي غالبية الطلبة أوقاتهم إما
خارج الجامعة متسكعين في المدن وأزقتها وإما في فناء وساحات الجامعة في المعاكسة
أو في الجدل العقيم حول نتائج مباريات كرة القدم للفرق التي يناصرونها وحياة
المشاهير والفنانين واللاعبين وغيرها، أو
يقضون ليالي بيضاء في سهرات فارغة.
ومن
انعكاسات ذلك على سلوكهم الدراسي:ـ أنهم يتغيبون عن المحاضرات والدروس التي تقدم
لهم ،حتى أن هناك الكثير من الذين يتخرجون من الجامعة ولم يحضروا ولو محاضرة واحدة
ولا يعرفون محاور البرنامج الذي قدم لهم في مختلف المقاييس ولا يعرفون حتى بعض الأساتذة
الذين درًسوهم خلال سنة كاملة والقصص كثيرة حول الموضوع أين يتصل طلبة بأستاذ
يسألونه عن مكان وجود الأستاذ الذي يدرسهم في المقياس ولا يعرفونه بأنه هو المعني
بحد ذاته ...ـ كما أن البعض منهم لا يستطيعون التركيز والانتباه إذا حضروا إلى
الأعمال الموجهة بسبب نقص النوم وكثرة السهرات وضعف الاهتمام بالتكوين.
ـ أنهم يفقدون الرغبة واللذة في الدراسة والمطالعة
والميل أكثر إلى الركون والكسل. و هو ما يجعلهم يستعملون مختلف الحيل لتبرير غياباتهم
المتكرر خاصة في الأعمال الموجهة (التي تحسب فيهاالغيابات). كما أنهم ينجزون
الأعمال الفردية والجماعية او الثنائية التي يكلفون بها (البحوث بطاقات مطالعة دراسة
حالات وغيرها) . لذلك نجد الكثير منهم يتحايلون في انجازها باستعمال عدة أساليب،
إما باختيارهم للمواضيع الأخيرة التي يعتقدون أنهم لن يقدموها أصلا لعدم إمكانية
وصول دورهم نظرا لعدد الطلبة الكثير وعدد الحصص الدراسية القليلة، و إما يلجأون
إلى زملائهم من السنوات الماضية لاستنساخ مواضيعهم دون عناء، وإما يطبعون مواضيع
من الأنترنيت مباشرة وفق قاعدة (copy coller
print ) والتي لا يتعبون حتى في تغيير شكلها الخارجي يضعون فوقها من
إعداد (فلان وعلان وفلانة او علانة) بل البعض ينسى حتى تغيير الأسماء الأصلية لأصحاب
تلك المقالات (لدى عشرات من المواضيع المستخرجة من الأنترنيت للطلبة الذين درستهم
خلال تجربتي المتواضعة وعوقبوا بسبب ذلك بيداغوجيا). والغريب في الأمر انه إذا سئل
هؤلاء الطلبة عن محتوى تلك المقالات التي استنسخوها اكتشفنا بأنهم لا يعرفون شيئا
عنها بحكم أنهم لم يقرؤها وم يلخصوها بل تعاملوا معها وكانها وثيقة إدارية تسلم
للأستاذ فقط لتقييمها. كما نجد البعض الآخر من الطلبة يسعون إلى إضافة اسمائهم ضمن
قائمة مجموعات أخرى هكذا من تلقاء أنفسهم رغم تشكيل مجموعات محددة لكل عمل
بيداغوجي لتحتسب نقاط التقييم. والمفارقة العجيبة أن البعض منهم عندما يقدم له
موضوع للبحث منذ أكتوبر أو نوفمبر يأتون في الأسبوع الأخير من شهر أفريل أو شهر ماي
إلى أستاتذتهم طالبين إياهم تذكيرهم بعناوين الأعمال التي كلفوا بها ،مصرحين بأنهم إما نسوها
أو أنهم لم يجدوا مراجعا في المكتبات لانجازها بعد سبعة أشهر من الدراسة.(من
غرائب الأمور).
والمشكلة
الثانية تتمثل في غياب المطالعة والقراءة للمجلات والكتب والدوريات:
فالحياة الجامعية يفترض أنها تؤسس لمناخ البحث العلمي من خلال المطالعة والمراجعة
لكل جديد باعتبارها مرحلة التكوين الذاتي أين يعتمد الطالب عل تكوين نفسه بنفسه.
إلا أن واقع الحال في جامعاتنا يشير إلى انتشار مناخ يشابه كثيرا مناخ الأحياء
الشعبية وشوارع المدن عند المراهقين، من
خلال تشكيل تجمعات صغيرة في مختلف زاويا الجامعة وفي فنائها واستعمال البلوتوث لتبادل
أنواع الرنات الموسيقية والأغاني والفيدوهات والصور والألعاب واللقطات... وغيرها ، مع التباهي بتجديد آخر طراز من أنواع ماركات
الهواتف النقالة والتطبيقات الالكترونية. وهذا بديلا عن عن مناخ تبادل المعارف
والأفكار العلمية المتجددة وتحيين المعلومات والمعارف وفتح مناقشات فكرية وثقافية
وعلمية أو المشاركة في مختلف النشاطات الثقافية والعلمية التي تنظم من حين لآخر في
الجامعات. وهنا أشير إلى أن طلبتنا لا
يراجعون ولا يطالعون إلا بالقدر الذي يكلفون به لانجاز بعض الأعمال بالكيفية التي
أشرنا إليها سابقا وبالقدر الذي يسمح لهم لتحضير الامتحانات، حتى أنني سألت ذات
يوم طلبتي ، ماذا لو ألغيت الامتحانات هل ستراجعون؟ كانت الإجابة الجاهزة بشكل
جماعي"لا نراجع ولا نطالع " بما أن النجاح مضمون. وسألت يوم آخر مجموعات أخرى في مدرجين يحتوي كل
منهما أكثر من 250 طالا، ليتنا نرى طلبتنا جالسين على كراسي ساحات وفناء الجامعة
وبين أيديهم كتب ومجلات يطالعون كما نشاهد ذلك في الجامعات الدولية، فكان رد فعل
الجميع وبصوت مرتفع، هذا مستحيل يا أستاذ لأن زملاؤنا سوف يضحكون علينا. أليس
غريبا مثل هذا التصور وهذا الموقف، عندما نجد طلبة جامعيين لديهم عقدة الخجل
والحرج بل و القلق اتجاه حمل الكتاب في الجامعة وفي مكان الكتاب وطلب العلم، ولا
يجدون حرجا ولا يخجلون من أنفسهم عندما يستعملون موسيقى صاخبة ويصرخون ويعنون أمام القاعات والمدرجات فيشوشون
على زملائهم خلال الحصص الدراسية.
والمشكلة الثالثة هي قضية البحث عن النقاط والشهادات
بكل الوسائل و الطرق التي لا تمت بصلة لمفهوم التكوين المشار إليه أعلاه. بما أن
المنطق السائد في المجتمع الجزائري ينص على أن الشهادة والنقطة هما اللتان تشرفان
الفرد وليس جهد الفرد ومستواه وأداءه البيداغوجي والعلمي هو الذي يشرف الشهادات
التي يتحصلون عليها. ( وهذا تعبير على انقلاب سلم القيم في المجتمع). حتى أصبح
طلبتنا يلهثون وراء الحصول على أحسن النقاط و الشهادات العلمية ويسعون إلى تحقيق
التفوق بمختلف الوسائل التي لا تمت بصلة إلى
الفعل البيداغوجي أو الدراسة والاجتهاد. و من أهم الوسائل المستعملة نذكر:
ظاهرة الغش في
الامتحانات المتفشية في الجامعات الجزائرية بمختلف التقنيات والوسائل والتي كانت
عبارة محاولات سلوكية فردية متخفية وسرية يخجل منها الطالب نفسه، و بعدها تطورت
تدريجيا إلى مستوى التخطيط الجماعي لعملية الغش خلال كل امتحان (من حيث كيفية
الجلوس داخل القاعة وكيفية الاتصال وأساليب تشتيت انتباه الأساتذة المكلفون
بالحراسة لتمرير المعلومات والوريقات وغيرها...)، حتى أصبحت اليوم بمثابة حقا مكتسب
يطلبون من الأساتذة السماح لهم بذلك، وتسهيل لهم المهمة، إلى أن أصبح الكثيرين
يهددون كل من تسول له نفسه منعهم من الغش بطريقة علنية مباشرة أو غير مباشرة. و تتجلى
أهم تقنيات الغش المستعملة والتي تم ضبطها خلال الامتحانات الدورية في جامعاتنا في( استعمال أوراق صغيرة، الكتابة على
الطاولات بالقاعات والمدرجات أو على الجدران، استعمال الهواتف النقالة المتطورة مع الكيتمان
خاصة بالنسبة للطالبات المتحجبات، الاتصال الهاتفي المباشر وغيرها...)، والدليل
على ذلك ملفات الإحالة على مجالس التأديب المتنامية من سنة لأخرى في مختلف
الجامعات الوطنية. والأسلوب الثاني الذي
يستعمل البعض الآخر لضمان النجاح هو، تقديم طلبات مباشرة للأساتذة بإضافة لهم
النقاط أو بالضغط عليهم في نهاية كل سداسي و نهاية كل سنة عن طريق الطلبة أنفسهم
أو بالوساطة من قبل أوليائهم وأقاربهم أو أصدقائهم أو ذوي النفوذ في هياكل الإدارة
الجامعية على مستوى الأقسام والكليات ومديرية الجامعة من أجل لزيادة النقاط
أو تقديم نقاط عشوائية رغم غياب البعض
منهم عن الامتحانات أو إقصائهم بسبب الغياب و عدم الحضور طيلة السنة الجامعية. والغريب
في الأمر أننا لاحظنا حتى بعض االزملاء الأساتذة
أنفسهم في نهاية كل سداسي يتوسطون لدى زملائهم الآخرين ويطلبون منهم إنجاح طلبة أو
طالبات معينين دون وجه حق ودون أي جهد علمي أو بيداغوجي، كما يفعل ذلك حتى أعوان
الإدارة و أعوان الأمن لوجود قابلية لدى البعض للخضوع وتلبية الرغبة حسب الطلب.
ومن الظواهر الآخرى اللافتة للانتباه هي تسجيل
الكثير من الطلبة في أكثر من اختصاص وفي أقسام و كليات مختلفة أو في نفس الكلية، حيث
يلتزمون الحضور والدراسة في الأقسام التي تعمل بالصرامة وتتابع حضور الطلبة
والأساتذة ويتجاهلون الدراسة كلية في الأقسام الأخرى التي يجدون فيها ثغرات
وتسهيلات في تبرير الغياب أو في عدم الحضور و عدم المشاركة في الأعمال الموجهة
و يحضرون في الامتحانات فقط فيضمنون
النجاح بمختلف الأساليب. ( وهنا تحضرني قصة عند مراقبة بطاقات الطلبة أثناء امتحان
من الامتحانات مع طالبة في علم النفس قدمت لي بطاقة طالبة في التاريخ ولما سألتها
قالت لي أنها تحضر شهادة الليسانس في التاريخ غلى جانب ليسانس في علم النفس كيف
ذلك، رجت أنها تعرف كيف تتصرف للتوفيق بين البرنامجين الدراسيين في الحضور
والمشاركة كيف ذلك؟ يبقى السؤال مطروحا؟). لذلك نتساءل كيف يسمح إداريا وبيداغوجيا
لبعض الطلبة بالتسجيل في أكثر من اختصاص واحد في نفس الوقت؟ فإذا كان الكثير من الطلبة العاديين المسجلين في
اختصاص واحد يجدون صعوبة الانضباط والالتزام بمتطلبات الدراسة الجامعية وبرنامجه،
فكيف يمكن لآخرين الالتزام والحضور لبرنامجين في تخصصين ولهما نفس التوقيت وكيف
لهؤلاء فهم استيعاب ما لم يحضروه من دروس؟ وهو ما جعل الكثيرين يتخرج بأكثر من شهادة
جامعية لكنهم لا يتقنون ولا يعرفون أبسط المعلومات حول تلك التخصصات التي يحملون
شهادات جامعية حولها.
وفي نفس الإطار
سجلنا أخطر ظاهرة يلجأ إليها بعض الطلبة، وهي دخولهم لإجراء الامتحانات العادية أو
الاستدراكية نيابة عن زملائهم الذين لا يحضرون أو الذي يدرسون في أكثر من تخصص ،
حيث ضبطنا الكثير من الحالات خلال السنوات الماضية، ولما استفسرناهم فيحول خطورة
الوقف وعواقبه وجدنا المتهم يبكي ويتوسل مع تعهده بعدم تكرار مثل هذا التصرف، أما
الطلبة المعنيون الذين كلفوا زملائهم بذلك وجدناهم يتبرأون منهم وكأنهم لم يكونوا على علم بذلك رغم تسجيل غياب
المعني خلال الامتحان وهو ميكانيزم دفاعي جبان يستعمله الكثيرين. ورغم إحالة
الكثرين إلى مجالس التأديب وصدور قرارات بالفصل عن الدراسة لمدة عام أو عامين نجد
هناك من الإداريين والنافذين من يتوسط على مستوى مجالس التأديب لإلغاء العقوبة
وتبرئة الطالب أو الطالبة من التهم التي اعترفوا بها وأمضوا على محاضر وتقارير
رسمية كتأكيد بأنه ضبط فعليا في وضعية غير قانونية خلال الامتحانات. وهو ما زاد من
تعنت وإصرار الكثيرين وتماديهم في تكرار مثل هذه الممارسات المسيئة للتكوين
الجامعي.
و في نهاية كل مرحلة تكوينية بالجامعة التي
تتوج بإنجاز مذكرة تخرج تقيم أو تناقش
علنية ( على مستوى الليسانس والماستر و الماجستير وحتى الدكتوراه نسجل كل سنة لجوء
طلبتنا إلى السرقة العلمية خلال انجازهم لمذكرات التخرج، فبدل أن يتعلم طلبتنا أبجديات البحث العلمي بالتدرب على قراءة المراجع
والكتب المختلفة والمجلات للاستفادة منها واتباع خطوات البحث والتفكير، نجد الكثير
منهم إما أنهم يتواصون على استعمال أقصر الطرق لانجاز كل أعمالهم البيداغوجية،
ويتواصون حتى على المكتبات التي تزودهم بكل ما يحتاجونه من عناوين ومذكرات
ويتفننون في إخراجها في ثوب جديد ويوضع فوقها من صنع وإعداد فلان ( Made in )، و إما أنهم يتنقلون من جامعة
إلى أخرى على المستوى الوطني يبحثون فيها عن عناوين لمذكرات جاهزة أو يبحثون
بأنفسهم في شبكة الأنترنيت عبر محرك (قوقل أو الياهو google et yahoo ) عن المذكرات الجاهزة ليستحوذوا
على محتواها العلمي كما هو، فلا يتعبون أنفسهم إلا في تغيير بعض المعطيات وهوية
الباحث والمشرف عليها. يعني أن طلبتنا وبتواطؤ الجميع (الأسر الإدارة والأساتذة
المشرفين) بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، ترسخت لديهم قناعة ومنطق يقول أن مجتمعنا
و عصرنا يهتم بالشكليات والشهادات (منطق القفازة والشطارة)، أما تطوير طريقة
تفكيرهم و تنمية ذكائهم أو بناء شخصياتهم
و الارتقاء بهم إلى مستوى الشهادة العلمية التي يتحصلون عليها ليشرفونها ويبرهنون
على مستواهم وكفاءاتهم العلمية أثناء الممارسة الميدانية في قطاعات الشغل التي
يوظفون فيها، فهذا منطق حسبهم مازال يؤمن به بعض الناس "الغافلين أو
المغفلين أو عند الذين مازالوا (نية مَسَاكين)" كما يقول البعض، أو أنه شيء
يخص طلبة الجامعات المتقدمة ولا ينطبق علينا كجزائريين. إنه منطق الرداءة الذي
أصبح ينمو كجزء لا يتجزأ من ثقافة المتعلم في المدرسة و الطالب الجامعي الجزائري، في
عصر أصبح لا مكان فيه للرداءة ولا للضعفاء في العلم والمعرفة والتكنولوجية.
والمشكلة
الرابعة هي طريقة المراجعة للامتحانات: بما أن طلبتنا يهتمون بالنقاط ولا
يهمهم شيء آخر غيره، فهم لا يراجعون إلا عندما يسمعون باقتراب وقت إجراء
الامتحانات بأسبوع أو أسبوعين لذلك يجدون أنفسهم أمام حجم كبير من الدروس
المتراكمة إضافة إلى عدم حضور الكثير منهم للحصص الدراسية والمحاضرات، وهو ما يجعلهم
يستثقلون مراجعتها كلية، فيلجأون إلى تصوير المحاضرات و استنساخها، ثم يعملون على
حفظها بنفس طريقة الحفظ التي تعلموها في مراحل التعليم الابتدائي والمتوسط
والثانوي. ونظرا للعدد الكبير من الدروس في كل مقياس ومادة أصبح فهمها وحفظها بشكل
ببغائي أمر صعب للغاية ، لذلك يستعملون طرق التخمين بنفس الأسلوب الذي تعودوا عليه
في المراحل الدراسية السابقة حول الدروس المحتملة و نوعية الأسئلة التي تطرح عليهم
وغير ذلك. ثم ينتقلون إلى مرحلة ثانية وهي كتابة بعض الدروس والقوانين والتواريخ
والمفاهيم والتعريفات في وريقات صغيرة أو يسجلونها في هواتفهم النقالة أو أجهزتهم
التكنولوجية المتطورة (MP3 ,MP4 ) وينسقون مع زملائهم في أساليب
التواصل فيما بينهم وطريقة الجلوس أثناء الامتحانات لتحضير عملية الغش. فكل هذه
السلوكات والمشكلات وغيرها التي لم نشر إليها تعبر عن ميل طلبتنا إلى السهولة والبساطة
في التفكير و هي نوع من " ذهان السهولة psychose de facilité كما سماها مالك بالتي أصابت مجتمعاتنا ونخبتنا المتعلمة
. لأنه جهد خارج مجال التكوين ولا علاقة له برفع المستوى بناء على الأسباب السالفة
الذكر. وبناء على كل ما سبق أصبح مستوى طلبتنا في تدني مستمر و أصبحت جامعاتنا غير
مصنفة لا قاريا ولا إقليميا وعربيا ولا
عالميا في ظروف و شروط التكوين الجامعي والسلوكات السلبية المتفشية في طلبتنا.
وعليه أصبح
من الضروري بل من الواجب كأساتذة ومسؤولين إداريين و سياسيين وكل المجتمع مصارحة
بعضنا البعض عن حقيقة ما يحدث في جامعاتنا وبالمشكلات الحقيقية التي تعيق رفع
المستوى التربوي والتعليمي والتكوين الجامعي لأبنائنا، من أجل الشروع في تشخيص الأسباب
والعوامل بطرق علمية وموضوعية، ومن ثمة التفكير في الحلول المناسبة والفعالة لها
وإعادة النظر في أساليب التدريس والتسيير التي ننتهجها.
وأصبح من
الضرورية أن نعلم أبناءنا قيم العلم والتعلم التي تزيد في مستوى تفكيرهم و تطور
ذكاءهم ونعلمهم أن النجاح في الحياة الدراسية والاجتماعية والمهنية يتحقق
بالاجتهاد والتفاني بالعمل وليس بالوساطات و التحايل والغش و الكسل.
ونعلمهم أن
النجاح هو استحقاق ينجز بالمراجعة والمطالعة والبحث والتنقيب عن العلم والمعرفة
وليس حقا يطلب بالاحتجاج والتدخلات.
ونعلمهم طلبتنا وأبناءنا في كل المستويات أن أداءهم
الميداني عند تقلد المسؤوليات والمناصب في مختلف مجالات الحياة المهنية من خلال
مستوى تفكيرهم وقدرتهم على حل المشكلات وتقديم الخدمات النوعية هي التي تشرف
شهاداتهم العلمية وليس العكس.
ونحن في حاجة
ان نعلم أبناءنا وطلبتنا أن معايير
التأهيل التفوق في القرن الواحد والعشرين ترتكز على الكفاءات والمهارات
العلمية الفعلية التي تحققت في الفرد بفعل التكوين والتدريب وليس على الشهادات
الورقية التي يملكها اصحابها.
وبناء على ذلك
نقترح أهمية تفعيل دور اللجان البيداغوحية في متابعة السير البيداغوجي للجامعة من
خلال الوقوف على أداء الأساتذة والطلبة مع
ضرورة تطبيق النصوص القانونية الخاصة بمنع التكوين في أكثر من اختصاص في وقت واحد.
وـ ضرورة الصرامة والجدية في متابعة حضور الطلبة والأساتذة بشكل دوري، إلى جانب ضرورة
إضفاء الشفافية والمصداقية على إجراءات ومعايير تقويم الطلبة في مختلف المقاييس في
مختلف الأعمال والنشاطات البيداغوجية، من خلال المتابعة الدورية إداريا بتطبيق
القانون البيداغوجي الساري المفعول الذي ينص على ذلك بوضوح. كما نقترح ضرورة تطبيق
معايير الجودة العالمية في التكوين الجامعي بإعداد وتكوين الأساتذة وفق ذلك ،
وإعادة النظر في النظام التكويني الجامعي( ل.م.د) الذي أثبت ميدانيا عدم نجاعته في
الواقع الجزائري لاعتبارات تتعلق بعدم توفر الشروط النفسية والثقافية والعلمية لا
سيما ثقافة الجودة في الفعل البيداغوجية والبحثي و في التسيير الإداري للجامعة، مع
غياب التنسيق والتعاون مع الشركاء الاجتماعيين والاقتصاديين في العملية التكوينية،
مما أضعف فعالية الجامعة في التأثير في المحيط الخارجي الاجتماعي والتنموي.
فالوقت يمر عندنا بسرعة فائقة، والتطور والتقدم
يزداد بسرعة كبيرة في الضفة الأخرى ، فإلى متى تبقى جامعاتنا توزع الشهادات
والنقاط وتبتعد عن رسالتها ودورها في إعداد الإطارات الكفأة التي يستلزمها منطق
القرن الواحد والعشرين؟
تحيين
و إثراء وتصحيح في20 ماي 2015
الدكتور خالد عبد السلام قسم علم النفس وعلوم
التربية والأرطفونيا جامعة سطيف 2
Absalam05@yahoo.fr
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire