vendredi 8 avril 2016

المنطق الذكوري وعقلية استعباد المرأة وشيْطنتُهَا في مجتمعاتنا العربية والإسلامية. "مقاربة نفسية ثقافية"

المنطق الذكوري وعقلية استعباد المرأة وشيْطنتُهَا في مجتمعاتنا العربية والإسلامية.
"مقاربة نفسية ثقافية"

الدكتور خالد عبد السلام، أستاذ محاضر - مختص في العلوم النفسية والتربوية
- جامعة محمد اليمين دباغين- سطيف
    عندما قدمت تهاني الخالصة للكثير من الزميلات الاستاذات المحترمات بالجامعات الجزائرية بمناسبة 8 مارس 2016، ورد إلي رد من قبل بعضهن تقول فيه ما يأتي: ”ان الاسلام حرر المرأة وأعطاها كامل حقوقها، ويكفينا تكريما انه خصص لها سورة النساء، وان كل الأيام هي عيد للمرأة ولا تحتاج إلى عيد“. فالتمست من ردها موقفا ايديولوجيا اكثر منه موقفا واقعيا او علميا عن حقيقة مكان المرأة في المجتمعات العربية والإسلامية. فانطلاقا من ذلك ارتأيت إثارة الموضوع للنقاش بطريقة علمية بعيدا عن الشحنات الايديولوجية وعن الصورة النمطية التي توارثناها عبر الزمن عبر عمليات التنميط الفكري الذي مورس علينا عبر كل مؤسسات التنشئة الاجتماعية ابتداء من الأسرة إلى المدرسة ووسائل الاعلام وبشكل خاص الخطاب المسجدي وبعض الدعاة والحركات التي ترفع شعار الاسلام.
    ونقول للأستاذة الجامعية فعلا نقر ونسلم جميعا أن الاسلام قد حرر الانسان كإنسان متضمنا كلا الجنسين (المرأة والرجل معا)، من كل الخرافات والأوهام والاعتقادات البالية اتجاه الحياة والطبيعة والكون والوجود ككل وحرره من الاستعباد  ومن كل التصورات الجاهلية اتجاه المرأة وأسس لعلاقة تكاملية في الحياة بينهما مبنية على المحبة والمودة والرحمة، ولم يجعل للرجل امتيازات على المرأة ولا لهذه الأخيرة على الرجل بل جعل المعيار الوحيد الذي يوزن به جميع الناس هو التقوى والصلاح.
     لكن ما يؤسف له ان الكثير من المسلمين مازالوا إلى اليوم يتعاملون مع المرأة بنفس النظرة الموروثة عن التورات اليهودية والكنيسة المسيحية والجاهلية التي سادت الجزيرة العربية قبل ظهور الاسلام. حيث أصبحت الكثير من الصور الذهنية المتداولة وأسلوب التعامل مع المرأة لدى الكثير من العرب و المسلمين هي في أصلها عبارة عن أفكار واجتهادات بشرية و شخصية غلفت غالبيتها بالدين لكسب القداسة والمصداقية لما يروجونه عن طريق تأويل بعض الأحاديث النبوية وبعض الآيات القرآنية ليخدم قناعات ايديولوجية اكثر ما هو فهم صحيح وموضوعي ومنطقي او واقعي لمكانة ودور المرأة في الحياة والمجتمع.  علما أن الفهم والتفسير والتأويل بالعقل البشري كثيرا ما يخالطه أمزجة و إحباطات ومكبوتات أصحابها خلال مراحل طفولتهم ومراهقتهم، إلى جانب تأثر كل منهم بالمرجعيات الفكرية والاجتماعية التي تعلموها واطلعوا عليها، وظروف تنشئتهم وخبراتهم وتاريخهم النفسي وتجارب حياتهم الحلوة والمُرة، مع تأثر الكثيرين بالأفكار الفلسفية التي وردت في العصور القديمة حول المرأة، انطلاقا من بعض الروايات والقصص حول خطيئة آدم عليه السلام التي تحمل المرأة مسؤولية ذلك وتعتبرها شيطانة اكثر من الشيطان نفسه. كما ان فهم الدين ومصادره يتم بعقول بشرية قابلة للنقاش والنقد و التصحيح والتصويب للاعتبارات السابقة الذكر، ولا يمكن لأحد الادعاء أن عقله بلغ المطلق او حقق الكمال في ما يقصده الخالق عز وجل في آياته القرآنية. كما انه ليس كل ما روي عن الرسول صلى الله عليه وسلم من احاديث هي صحيحة بشكل مطلق، لا يحق لأحد التفكير فيها ومناقشتها واستخلاص فهم غير الفهم المتداول والمألوف منذ قرون مضت، خاصة إذا تعارض البعض منها مع الكثير من النصوص القرآنية ورسالة الاسلام نفسه ومقاصده. ولا ننسى في كل ذلك سيطرة النظرة الذكورية للحياة على عقول الكثير من العرب و المسلمين اليوم نتيجة مفعول الأفكار المغلفة بالدين وصفة المُقدس الذي لا يقبل النقاش والتمحيص والنقد.
فما هو واقع معاملة الرجل للمرأة في مجتمعاتنا العربية والإسلامية ؟
   نلاحظ ان هناك الكثير من النساء العربيات والمسلمات مازلن يعانين ويتألمن في صمت في ظل مجتمع لا يرحم ولا يتسامح معها عند أي تصرف لا يرض الرجل سواء كان زوجا او أبا او اخا او قريبا. وهناك من النساء اللائي يرفضن الكلام ويقبلن بكل مرارة الحياة خوفا من ردة فعل المجتمع ومن الضياع والعنف والويلات التي قد تنتظرها في حالة التعبير عن الظلم والاستبداد ومظاهر الاستعباد الذي قد يمارس عليها من قبل زوجها او أبيها او أخيها او أقاربها.
    مازالت مجتمعاتنا العربية والإسلامية تربط قيمة الشرف بالمرأة حصريا، بحيث عندما تخطئ المرأة تعاقب وتهمش وتنعت بكل الأوصاف والصور المقللة من قيمتها وكرامتها، رغم ان الشرف قيمة خلقية إنسانية، ترتبط بالانسان كإنسان في كل مجالات الحياة (كالصدق والوعد والعهد والأمانة.... وغيرها).
   و مازال من الرجال (ليس كل الرجال)، من يعذب زوجته بكل الطرق النفسية والمعنوية والجسدية إلى درجة الانهيار العصبي ودفعها إلى التفكير في الانتحار أو الهروب من البيت لا لشيء إلا لأنها تريد ان تثبت وجودها وهويتها وكينونتها في الحياة وتطالب زوجها ان يعترف بها ككيان مستقل وتعبر عن وجودها كإنسانة في الحياة او تدافع عن نفسها.
   ومازال من الرجال من يستهزئ بزوجته ويحتقرها ويشمتها أمام أهله او أقاربه او أصدقائه أو زميلاته في العمل وأمام غيرهم كميكانيزم دفاعي لا شعوري للتعويض عن النقص الذي يعاني منه اتجاهها، و مازال أيضا من يتفنن في ضرب زوجته أمام امه وأبيه وإخوته لينال منهم وسام الاستحقاق وشهادة الرجولة والفحولة، ودفعا لشبهة أو تهمة " تتحكم فيه زوجته" وتؤثر زوجته في قراراته ومواقفه".
  ومازال من يحرم زوجته من أجرها الشهري حتى وصل الآمر ببعضهن إلى عدم معرفة المبلغ الذي يتقاضينه، و آخرون يستولون على حُليهن وممتلكاتهن بمختلف الطرق والأساليب لإشباع نزواتهم ورغباتهم النرجسية وحب التملك والسيطرة. بل أكثر من ذلك هناك من الرجال من تنفق معه زوجته كل مالها للاستثمار في بناء مسكن او مركب ويرفض ازواجهن إدراج أسمائهن معهم في العقود والوثائق الرسمية، لا لشيء إلا لتجنب تهم العائلة وعقدة المجتمع " زوجته تقاسمه في ممتلكاته" او كتب اسم زوجته في كل ممتلكاته" والبعض الاخر للنصب والاحتيال عليهن، حيث كثيرا ما طلقت النساء بعد استحواذ أزواجهن على كل اموالهن مع تجريدهن من أي دليل مادي او قانوني يحمي حقوقهن.
  ومازال من الأزواج من يحمل زوجاتهم كل اعباء داخل وخارج البيت، إضافة إلى أعبائهن في العمل، فيفرضون على زوجاتهم العاملات النهوض يوميا في الصباح الباكر لإعداد لهم وجبات الغذاء الساخنة، ويرفضون أي وجبات باردة، رغم علمهم بتنقلهن اليومي إلى مكان عملهن لمسافات بعيدة عن مقر سكناهم. و في حالة تقاعسهن إما نتيجة لتعبهن وإرهاقهن، صبوا عليهن جام غضبهم وعنفهم اللفظي والنفسي والمعنوي وحتى الجسدي دون شفقة ولا رحمة عليهن ويتبعون ذلك بقولهم "تزوجتك لتخدمني".
   ومازال من يمنع عن زوجته الذهاب إلى اهلها وأقاربها ولا يقبل ان يزوره أحد منهم محاولا اقتلاعها من جذورها و انتمائها العائلي بكل الطرق والوسائل الهمجية.
   ومازال من الرجال من يعتقد ان النساء هن ملكية خاصة لهم، على شاكلة ملكيتهم للسيارة والبيت وغيرها من الماديات الأخرى، فيتصرفون فيهن كما يشاءون دون ضمير ولا رادع خلقي ولا قانوني ولا اجتماعي ولا إنساني، فيفرضون عليهن ما يريدون رغبة أو رهبة، وفي نفس الوقت لا يحق لهن مناقشتهم او مخالفتهم في قراراتهم ومواقفهم وتصرفاتهم مهما كانت جائرة او ظالمة. رغم أن الرجل تربطه بزوجته عقد زواج وشراكة في الحياة وليس عقد ملكية.
   مازال من الرجال من يتناول وجبات غذائية خاصة، بينما زوجاتهم وأبنائهم يتناولون وجبات عادية وفقيرة من كل شيء. وحتى في الاعراس مازالت المرأة آخر من يتناول مأدبة الغذاء او العشاء بعد انتهاء الرجال منها. وفي الكثير من الاحيان لا يبقى لهن أي شيء ويمر الامر وكان شيئا لم يكن. و معيار نجاح العرس لدى الكثيرين هو مدى اكتفاء المأدبة للرجال فقط، وإذا لم تكف للنساء فالأمر عادي ولا حرج في ذلك أصلا لدى الكثيرين.   
  ومازال من يؤمن بمقولة " المرأة شاور وخالف" حيث يعتبر الكثيرون التشاور مع زوجاتهم في شؤون البيت والحياة إقلالا من رجولتهم وشهامتهم، فلا يعيرون لهن أي اهتمام ولا أي بال في أي امر من أمور الحياة، بل يفرضون عليهن كل ما يريدون. ومازال من يقول "المرأة حشاكم"  كلما ذكرت في مجالس الرجال في بعض المناطق والدول العربية رغم ان "صفة حشاكم" ترفق عند الاشارة لأمور العَيْب والمُشين في المجتمع.
   ومازال الكثير من الرجال العرب والمسلمين يتواصون بمقولة "المرأة شيطانة ومصدر كل البلاوي في المجتمع وهي سبب كل المشاكل في الحياة"، حتى وصل الامر إلى اعتبار كل خطيئة ترتكبها المرأة عارا على العائلة لا يغتفر ولا يعتذر فيها بينما خطيئة الرجل مسألة فيها نظر و له كل الاعذار. و كثيرا ما يُشمت الرجال الذين يتوافقون مع زوجاتهم أو يتشاورون ويتناقشون معهن في شؤون الحياة والبيت ويُنعتون بمختلف النعوت والأوصاف المقللة من رجولتهم كالمغلوب على امرهم أو أنهم مُسيرين من قبل زوجاتهم كالخاتم في الإصبع وغيرها.
   و مازال يعتقد ان المرأة أقل عقلا و أقل ذكاء من الرجل في كل ميادين الحياة رغم ثبوت العكس، وإثبات وجودها و دحضها لهذا التصور ميدانيا بعلمها و عملها وتفوقها وقدرتها على إدارة شوؤن البيت والعمل والحياة في كل المجالات بجدارة واستحقاق متفوقة في الكثير من الميادين عن الكثير من الرجال.
   وهنا يجدر بنا استعراض بعض المقولات الشائعة عن المرأة في ثقافتنا الشعبية وهي كلها تعبر عن المخيال الجمعي والشعبي و تصورات مجتمعاتنا عن المرأة وبالتالي هي التي توجه تفكيرنا وسلوكاتنا اتجاهها سلبا وايجابا مثل:
 "لا تغرك شمس الشتا ولا تغرك ضحكة النسا "، " كل بليــّة سبابها ولّيـــة " إذا حلفوا فيك الرجال بات راقد وإذا حلفوا فيك النسا بات قاعد "، " إذا حبوك النسا بات على الكسا وإذا كرهوك النسا بات على العصا " ـ " الرجال تهد الجبال والنسا تهد الرجال" ـ
المرجعية الفكرية للتصورات المقللة من شأن المرأة:
   وفي ظل هذه الوقائع والتصورات نرى بأن العقل الجمعي العربي والإسلامي مازال مشبعا بالموروث الثقافي الجاهلي والإغريقي والروماني اتجاه المرأة، وما زالت رواسبها تسيطر على ذهنيات الكثيرين إلى اليوم. علما ان النظرة التوراتية  والكنسية في القرون الوسطى هما اللتان تحملان المرأة مسؤولية خطيئة آدم عليه السلام وبالتالي منطلق و اصل المشكلة في كل التصورات السلبية اتجاه المرأة منذ الازل عبر كل الثقافات والمجتمعات. فهما الديانتين اللتين ترويان ان الشيطان وسوس لآدم ولم يستطع إغواءه للآكل من الشجرة التي نهاه الله عنها، ولما وسوس لحواء أغواها وبالتالي استطاعت هي ان تغوي ّآدم. وبالتالي بالمنطق الارسطي فهي اذن شيطانة او اكثر من الشيطان. وقد ورد في سفر التكوين ما يأتي:“ خلق الرب الرجل ثم تبعه بالمرأة فهى تابعه له بالخلق والتسميه وهى التى اغوته بأكل الثمرة المحرمه فطرد من عالم الخلود بسببها وعليها يقع هذا الوزر الى الأبد". في حين في القرآن الكريم نجد مسؤولية الخطأ يتحملها آدم وحواء معا كما في قوله تعالى في سورة البقرة:“ وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَـذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الْظَّالِمِينَ (35) فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (36)....“ وفي سورة الاعراف آية 20 يقول تعالى: ” فوسوس لهما الشيطان ليبدي لهما ما ووري عنهما من سوآتهما وقال ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين .....“ إضافة إلى ذلك فالرجل والمرأة خلقا من نفس واحدة كما في قوله تعالى في سورة النساء:“ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء.... “(1)، فإذا كان الآمر كذلك كيف نجعل المرأة اقل من الرجل أو العكس، وهما من نفس الطينة والأصل والمصدر؟
   و من جهة أخرى نجد اصل فكرة قصور عقل المرأة هي فكرة لأرسطو وليس لها علاقة بالإسلام كما تسوق بعض التيارات الاسلامية المتطرفة حيث يقول هذا الاخير (أرسطو) :“ إن الطبيعة لم تزود المرأة بأي استعداد عقلي يعتد به، لذلك يجب ان تقتصر تربيتها على الشؤون المنزلية والأمومة والحضانة“ وقال أيضا سقراط :" إن المرأة رجل غير كامل، وقد تركتها الطبيعة في الدرك الأسفل من سلم الخليقة " وهو القائل أن المرأة للرجل كالعبد للسيّد، والعامل للعالم، والبربري لليوناني، وأن الرجل أعلى منزلة من المرأة ” وقد قال في موقع آخر: "إنَّ وجودَ المرأة هو أكبر منشأ ومصْدر للأزمة والانهيار في العالَم، إنَّ المرأة تُشبه شجرةً مَسْمومة، حيث يكون ظاهرها جميلاً، ولكن عندما تأكل منها العصافير تموت حالاً"[1]
 ونجد ايضا مقولات الكثير من الفلاسفة والمفكرين الكبار في الأدب  مثل لا مارتينالذي يقول عنها:" المرأة كتاب أبدع الله رسم غلافه . . فبدا فتنة للناظرين، ووضع مقدمته . . فجاءت باسمة كالزهر في الربيع، وكتب الشيطان فصوله . . فكانت خداعاً . . وشقاءاً وأحزاناً ". وتوماس الاكويني يقول أيضا في نفس السياق: "المرأة إنسان ناقص التكوين . . وكائن عرضي " فكل هذه الأفكار نشرت عبر النصوص الادبية والفنية فشكلت عقول البشرية في إطارها.
   كما ان النظرة التي تجعل من المرأة معوجة او خلقت من ظلع اعوج هي نظرة توراتية بامتياز فقد ورد في سفر التكوين ما يلي:“ ان الله خلق ادم الذكر ووضعه فى الجنه وحيدا لا يجد من يؤنس وحدته فقرر الرب ان يخلق له إمرأة من ضلعه لتؤنس وحدته (هذه الان عظم من عظامى ولحم من لحمى وهذه تدعى إمرأة لأنها من إمرء اخذت).[2]  ويدعم ذلك الاديب ويقول نجيب الريحاني حينما قال:" المرأة عنصر يمكن للحياة أن تستمر بدونه . . بدليل أن الحياة كانت سائرة حين خلق آدم وحده، وقبل أن تخلق من ضلوعه حواء". وعلى هذا الأساس كانت المرأة في الكثير من الحضارات القديمة تَرث ولا تُورثُ، تُملَكُ ولا يحق لها ان تَملكَ، وكانت تشترى وتباع كما تباع الخيول والأنعام في الأسواق.
    وبتحليل مقارن بسيطة لكل ما ساد من اعتقادات وتصورات منذ العصور الجاهلية والقرون الغابرة مع الممارسات اليومية في مجتمعاتنا العربية والإسلامية اتجاه المرأة، ألا نلاحظ وجود تطابق وتشابه كبير بينهما؟ ألا نلاحظ انها نفس التصورات الآسطورية السلبية غلفت بقناع الدين في الخطاب المسجدي والإعلامي بغرض إقناع الناس بالالتزام بها والعمل وفقها وكأنها قدرا أبديا محتوما لجميع البشرية؟
  هل معنى ذلك ان مصير المرأة مقرر سلفا ولا يحق لأحد إعادة التفكير فيه من جديد؟ أم نحن ملزمون اليوم بالآخذ بكل تلك الأفكار والتصورات مهما تأكدت لنا جاهليتها وهمجيتها وتناقضها مع طبيعة الحياة المتكاملة بين الذكر والانثى؟ أم انه من واجب كل جيل ان يجتهد في فهم الحياة وفهم الدين وفق الظروف والتطورات والملابسات التي تحيط به اليوم بما يعزز من كرامة وقيمة الانسان كإنسان، باعتبار المرأة جزء لا يتجزء منه؟ ألا يحق لنا العمل على الاستفادة من أخطاء من سبقونا حتى لا يكررها وبالتالي نساهم في تطوير مستوى تفكيرنا وحياتنا نحن الأحسن؟
  إذا كان الانسان يحاسبه الله على عقله وعلى تفكيره، ماذا فعل به، و في ماذا وظفه، وهل استفاد من ذكاءه في تطوير مستوى حياته، وفي نفس الوقت إذا كان لا يسأل أي منا عمن سبقه من الأمم والمجتمعات التي سبقونا إن كانوا مصيبين او مخطئين انطلاقا من قوله تعالى:" ﴿ ولا تزر وازرة وزر أخرى ﴾ الزمر:7"، وانطلاقا من اعتقادنا أننا سنحاسب إن قلنا إنما نتبع ما وجدنا عليه آباؤنا و اجدادنا حتى ولو كانوا ضالين وظالمين، فإننا نجد انفسنا ملزمون بتحمل مسؤولياتنا الاخلاقية والتاريخية والعلمية، بضرورة التفكير بطرق جديدة و مغايرة لكل ما  كان مألوفا ومشاعا او مسلما به منذ قرون، وفق المعطيات الجديدة والمستجدة حول مكانة المرأة و أدوارها في المجتمع والحياة. و هي معطيات لم يسبق وان عاشها الكثير من المفكرين والفلاسفة والعلماء في مختلف العلوم والتيارات والمدارس الفكرية والدينية، و الذين مازالت تصوراتهم وقناعاتهم وأفكارهم مهيمنة على عقول الكثيرين من العرب والمسلمين والبشرية جمعاء. فقد بينت الوقائع الميدانية جدارة وكفاءة المرأة في الكثير من الميادين الحياتية ( الصحة والصناعة والإدارة والفلاحة والجيش والطيران والتعليم والفن والسياسة والقيادة ....... وغيرها) و التي كان الاعتقاد السائد منذ قرون من الزمن انها حكر على الرجل.   
   فعلينا اذن العمل الجاد لتحرير عقولنا كعرب ومسلمين من هذا التفكير البدائي والهمجي الصدامي، الذي ألبسناه ثوب الدين لتبرير هيمنة منطقنا الذكوري في الحياة رغم تعارضه مع طبيعة الوجود و فلسفة الاسلام في الحياة. لآن هذه المرأة التي نتحدث عنها هي قبل كل شيء، أمنا وجدتنا و أخواتنا وزوجاتنا وقريباتنا ( العمة والخالة أو جارتنا) وزميلتنا في العمل، يعني هي إنسان مثلنا وجزء منا، فلا تستقر الحياة إلا بوجودها إلى جانبنا ووجودنا إلى جانبها يدا بيد وقلبا بقلب للعيش في محبة و امن وسلام.
   فتحية احترام وتقدير لكل النساء العربيات والمسلمات وكل نساء العالم اللائي فرضن وجودهن في كل مجالات الحياة بعقولهن وإبداعاتهن، فهن رمز المقاومة ضد كل أشكال التمييز وضد كل الذهنيات المتحجرة والمتخلفة والبالية و الجاهلية. 
   كم هي الحياة جميلة وممتعة بقناعات تعزز من كرامة وقيمة الانسان مهما كان جنسه او لونه او دينه او عرقه او انتماؤه الجغرافي متعايشين في تنوع  وحب وتعاون أبدي، هكذا يجب ان نكون او لا نكون.
                                          الدكتور خالد عبد السلام قسم علم النفس جامعة سطيف2




[1] - ويكيبيديا https://ar.wikipedia.org/wiki

[2] - فاتن فيصل، الآصل الآسطوري لخلق المرأة، الحوار المتمدن العدد2547/ 2009/ http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=161747

Aucun commentaire: