الدكتور خالد عبد السلام قسم علم النفس وعلوم التربية
والأرطفونيا جامعة سطيف2
كلما حلت مناسبة وطنية إلا وكثرت الاحتفالات و الأغاني
والأناشيد العاطفية والوطنية الممجدة بالوطن وبثورته التحريرية وبمقاوماته الشعبية
المتعاقبة وبقيمة تضحيات الشهداء الذين حرروه من يد الاستعمار، لكنه بعد المناسبة
مباشرة ينسى الجميع كل ما قيل، وكأن شيئا لم يكن. لأنها مجرد احتفالات فلكلورية
أفرغت من محتواها البيداغوجي والتربوي. مما جعلت الشباب والأطفال وأجيال ما بعد
الاستقلال ينظرون إليها على أنها مجرد احتفالات شكلية تهم العائلة الثورية لوحدهم،
يتبادلون فيها الهدايا والتكريمات والولائم ولا تعنيهم مباشرة. وهو ما كون لديهم
اتجاهات سلبية اتجاه كل ما له علاقة بالاحتفالات الوطنية و الأحداث التاريخية، وكراهيته حتى للتاريخ،
بدليل أن الأجيال الناشئة منذ الاستقلال، أصبحت ضحية إستراتيجية الإلهاء التي تمارسها وسائل الإعلام
المختلفة لجعلها تهتم أكثر بمعرفة تفاصيل الحياة الشخصية للرياضيين في مختلف
البطولات العالمية والفنانين من معرفتهم بتاريخ وطنهم
و أبطالها وجذوره الحضارية.
علما
أن الاحتفالات بالطريقة المهرجانية والتغني بالبطولات الثورية لا يمكن اعتبارها من
الناحية النفسية والعلمية دلائل معبرة عن حب الوطن والتعلق به والانتماء إليه. بدليل
أن الكثير من المسؤولين الجزائريين منذ الاستقلال إلى اليوم عندما يتواجدون في
مناصب المسؤولية يصرحون ويلعنون عبر وسائل
الإعلام خلال هذه المناسبات التاريخية للثورة التحريرية وكأنهم الوحيدين الذين يحبون
الوطن حبا جما ومغرمون به إلى درجة الجنون، و يتصرفون وكأنهم الوحيدين الذين
يملكون الغيرة على البلد ويفكرون في خدمته ومراعاة مصالحه العليا. لكنهم لمجرد إقالتهم
أو استقالتهم نجدهم يهجرون مباشرة البلد وأهله إلى الأبد، فيأخذون أموالهم
وعائلاتهم للعيش والاستثمار في البلدان الأوروبية التي كانوا فعلا يكنون لها
المحبة والمودة الحقيقية من أعماق قلوبهم.
وعليه فإن حب للوطن لا يكون بالتغني به بأحسن
وأجمل الكلمات بقدر ما يكون بإنجاز أحسن وأعظم الأعمال وتقديم أحسن وأتقن الخدمات
لأهل الوطن ومؤسساته بتفاني وإخلاص لتحقيق مستويات عليا من التقدم و الاستقرار
والرفاهية للأهل البلد عن طريق:
1 ـ العمل
والاجتهاد والتفاني في تربية الأجيال الناشئة على أسس سليمة تساهم في تطوير
كفاءاتهم وقدراتهم العقلية والنفسية والسلوكية والعاطفية والاجتماعية و التربوية
والعلمية لتكون في مستوى مواجهة تحديات الحاضر والمستقبل.
2ـ ـ التفاني
والاجتهاد في إنتاج العلم والمعرفة عن طريق تدعيم البحث العلمي والإنتاج الثقافي
والإبداع الفكري، لضمان الأمن الفكري والمعرفي للأجيال الناشئة وتحصينها من كل أشكال
التطرف والانحراف.
3ـ التفاني
والاجتهاد في إعداد وتكوين إطارات ذات كفاءة علمية ومهنية متطورة تستجيب للحاجات
الاقتصادية والاجتماعية والإستراتيجية لتحقيق الأمن القومي والاقتصادي والاكتفاء
الذاتي المفضي إلى الاستقلالية في كل قراراتنا السيادية.
4 ـ تقديس
العمل والانضباط مع الوقت خلال أداء الخدمات المطلوبة من كل واحد منا ابتداء من
أعلى مسؤول إلى أبسط مواطن وموظف.
5ـ التفاني
والإخلاص في خدمة أهل الوطن بتوفير لهم كل فرص الترقية الذاتية والاجتماعية عن
طريق الحرص على تطبيق مبادئ العدالة والمساواة، للتخفيف عن مشكلاتهم وأزمات حياتهم
لتحقيق السعادة والطمأنينة لهم.
6ـ بتجسيد مبادئ
وقيم أولوية المصالح العمومية على المصالح الشخصية عن طريق تنمية ثقافة الخدمة
العمومية لدى المسؤولين في كل المستويات والإدارات والمؤسسات.
7ـ تعزيز
مستوى الشعور بالمسؤولية لدى كل أفراد المجتمع وخاصة لدى المسؤولين في كل الإدارات
والمؤسسات ليكونوا أكثر الناس حرصا على المصالح الفعلية العليا لبلدهم، ون خلالها
يتجندون جميعا لمحاربة كل أشكال الفساد والتهاون واللامبالاة، و كل ما يزعزع الأمن
الاقتصادي والثقافي والحضاري و القومي للوطن.
8ــ بمحاربة
كل أشكال التهاون والتحايل والفساد المالي والإداري والسياسي والأخلاقي والاجتماعي
والتربوية و مكافحة كل الأمراض المهددة للأمن النفسي والاجتماعي والقومي.
9ـ
بتكريس أسس وثقافة التداول السلمي على مناصب المسؤوليات في مؤسسات المجتمع وفق
مبدأ الاستحقاق والجدارة لتحصين الوطن من كل الإنزلاقات الأمنية.
10ـ بالتحرر
من مرض النرجسية والأنانية التي أصيب بها الكثير من السياسيين والإداريين في كل
مؤسسات المجتمع، الذين يعتبرون أنفسهم الوحيدين الذين يصلحون لتقلد مثل هذه
المسؤوليات حتى مماتهم، ودونهم ستنزل الكارثة على البلد وأهله.
أما
الاحتفالات الرسمية لمختلف الأعياد الوطنية تحتاج إلى أن ترقى لتكون لها أبعادا نفسية وبيداغوجية
فعالة تعزز روح الانتماء للوطن و لجذوره التاريخية والحضارية لدى الأجيال الناشئة عن
طريق ما يأتي:
1ـ إشراك الأطفال والمراهقين والشباب وكل
الأجيال بعد الاستقلال في كل النشاطات مع كل المجاهدين ابتداء من رفع العلم ووضع
إكليل الزهور على أرواح الشهداء إلى كل ما يليها من تظاهرات ونشاطات متنوعة.
ـ2ـ إشراكهم في تنظيم التظاهرات الثقافية المختلفة
كالمسابقات العلمية والثقافية والتربوية حول موضوعات ذات العلاقة بالحدث الثوري
الوطني والتاريخي البعيد والمتوسط والقريب لربطها بجذورها وأصولها وأجدادها.
ـ3ـ التنويع في
الأنشطة الثقافية والرياضية المخلدة للمناسبة كتوظيف المسرح والقصيدة الشعرية و
الأنشودة والأغنية الوطنية و زيارة المتاحف والمواقع التاريخية.
4ـ تنظيم
موائد مستديرة جوارية في الأحياء والمراكز الثقافية ودور الشباب وفي المدارس
والجامعات مع تنشيط منتديات إعلامية في كل وسائل الإعلام السمعية والبصرية
والمكتوبة والالكترونية لربط أجيال الاستقلال بأجيال الثورة.
5ـ ـ تنظيم
مسابقات رياضية وعلمية بين مختلف فئات الشباب والأطفال تحت شعارات ذات دلالة
بالمناسبة التاريخية والوطنية.
6 ـ تأسيس
جائزة لأحسن بحث علمي حول كل جوانب الثورة التحريرية أو عمل أكاديمي للباحثين
الجامعيين في (علم التاريخ والجغرافيا، علم الاجتماع وعلم النفس، والأدب والفنون والأنثربولوجيا......
وغيرها) له علاقة بمختلف محطات تاريخ الجزائر منذ أجداده لأوائل إلى الثورية التحريرية.
7ـ تجنيد كل
الفنانين و الأدباء و السنمائيين لتحويل كل المحطات والأحداث التاريخية إلى أعمال
فنية وأدبية ودرامية ومسرحية، تمجد بطولات الأجداد ليعرف الناشئة ثمن الحرية
والاستقلال والعيش في العزة والكرامة.
فعندما يشارك الشباب والأطفال في صناعة الحدث
الوطني والتفاعل معه ايجابيا عندها يطمئن الجميع بتحقيق التواصل بين الأجيال وبالتالي
الاطمئنان لقدرة الآجيال الناشئة على صناعة أمجاد التاريخ مستقبلا و منها صناعة التطور
الحضاري المنشود، وعندها فقط يمكن القول، " أننا خير خلف لخير سلف".
سطيف في 1 نوفمبر 2014
تعديل واثراء في 20 أوت 2015.
الدكتور خالد عبد السلام قسم علم النفس وعلوم التربية والأرطفونيا
جامعة سطيف2
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire