vendredi 24 janvier 2020

متى نتحرر من الأصنام الفكرية والدينية والعرقية التي يغذيها الاعلام الغربي والعربي في عقولنا يوميا؟


متى نتحرر من الأصنام الفكرية والدينية والعرقية التي يغذيها الاعلام الغربي و العربي في عقولنا يوميا؟

   تحدث هنري كسينجر في ثمانينات القرن الماضي عن "حرب المائة عام المقبلة" في المنطقة العربية والإسلامية وقال ما معناه: سنغرق العالم الإسلامي في صراع بين السنة والشيعة على غرار حرب المئة عام بين الكاثوليك والبروتستانت. 
 وهي الحرب التي أعادت صياغة أوربا على هوى واضعي السياسة العالمية . 
وهذا المشروع أصبح يتجسد يوميا في القصف الاعلامي العربي و الغربي وفي تصريحات الكثير من السياسيين والمحللين الذين يختارون بدقة عالية لترويج هذا الصراع من خلال تعمدها في إعطاء الألوان الدينية و المذهبية للصراعات السياسية والاستراتيجية في المنطقة العربية والاسلامية بين القوى الدولية المتنافسة على ثرواتنا الطبيعية عن طرق  التركيز المقصود في وصف المتصارعين  بانتمائهم العقائدي والمذهبي كما حدث في العراق وسوريا وحتى في مصر عند قتل العمال المصريين في ليبيا.   
بينما نفس الاعلام الغربي والعربي يصف المواطنين الغربيين باتنمائهم الوطني عند كل حدث سياسي في بلدانهم أو خارجها
 فمثل هذا التصرف مبني على دراسة علمية لخصوصيات ومميزات التفكير لدى مجتمعاتنا العربية والاسلامية التي تقدس الأحداث التاريخية  وتعتبرها  جزءا من الدين والعقيدة ، حيث كل جماعة او طائفة تُعولب عقول أتباعها ومريديها بقداسة تلك الأحداث، وتمنعها من  النقاش و النقد  او التفكير في إعادة مراجعة الكثير من تلك الأحداث التاريخية التي ارتكبت فيها اخطاء  كثيرة في حق الانسان وكرامته وحريته للتأسيس من جديد لثقافة الاختلاف والتعايش، والتسامح  الفكري والديني في إطار دولة القانون والعدل
   وهو ما خلق حساسيات مذهبية ودينية وعرقية عبر كل المراحل التاريخية وخاصة في السنوات الآخيرة بعد بروز قوى دولية ناشئة منافسة للنفوذ الغربي تعمل على إعادة تشكيل النظام الدولي الجديد ليكون أكثر توازنا بين عدة أقطاب وليس حكرا على قوة غربية لوحدها. حيث سجلنا  للأسف إثارة لمثل هذه العصبيات وتشحين للكراهية فيما بين الجماعات الدينية والمذهبية والعرقية كما هو في العراق وسوريا بالنسبة للآكراد والتركمان وغيرهم لا لشيء إلا لآنها أصبحت جزءا من ضرورة وقود الصراع في القضايا الاستراتيجية الدولية التي توظفها الدول العظمى لتنفيذ سياساتها ونفوذها في منطقتنا العربية والاسلامية على حساب مصالحنا وأمننا القومي، كما سارت العادة  في أفغانستان وكوسوفو سابقا. لآننا ببساطة إما امة لا تقرأ و تستفيد من تجاربها الماضية. وإما  أننا امة مازلت تحت الاستعباد الغربي لا نملك حرية قراراتنا وإرادتنا مسيرين  لا مخيرين في كل ما نفعل
لكن الشيء المستغرب هو هذا الحماس الذي تبديه الكثيرمن الحركات الاسلامية عبر منابر المساجد ووسائل الاعلام وفي تجمعاتها في تغذية الكراهية  المفضي إلى الصراع والاقتتال بثوب مذهبي ممقوت في الوقت الذي يستشهدون فيها بأحدايث للرسول صلى الله عليه وسلم " الفتنة نائمة لعن الله من أيقظها" وغيرها من الآيات القرآنية التي تحرم قتل دم المسلم للمسلم 
لكن يبدو ان الجميع منخرط في تنفذي المشروع الفتنوي لتهديم كل مقومات الحياة المتحضرة في منطقتنا العربية والاسلامية، بدليل ان من يفكر بطريقة مخالفة لهؤلاء يقصف بقنابل وصواريخ من التهم والتخوين والتكفير التي تستبيح لحمه ودمه وممتلكاته وكل شيء يرمز إليه ماديا ومعنويا. 
إنها الجهالة بعينها التي تجذرت في ثقافتنا وفي تفكيرنا وأصبح الكثير منا يحاور نفسه اكثر ما ينفتح للحوار مع من يخالفه او يختلف معه. بل أصبح الكثير منا يعتقد في نفسه انه يملك الحقيقة وعلى حق فيما يقوم به خاصة عندما يستحصر في قرارات نفسه انه يناصر الدين و يريد إحقاق الحق فعندها يزداد إنغلاقا على نفسه كما يزداد حماسة واندفاعا وتعصبا ضد كل من يناقشه لآنه تربى على قناعات واعتقادات علمته أنه كل تصرف له علاقة بنصرة الدين شيئا مقدسا لا نقاش ولا جدال فيه مهما كان نوعه، حتى ولو كان الأمر يهلك الدين او يشوه أكثر ما يناصره.
إنه التفكير  النمطي و الايديولوجي الذي أغشى عقول الكثيرين في مجتمعاتنا من قبول الآخر والاستماع إليه والتفاعل معه أيجابيا للاستفادة من رؤيته ونظرته وفهمه للآمور.
حتى أصبح كل مسؤول في مجتمعاتنا يعتقد في نفسه انه لمجرد انه يحمل صفة المسؤولية في أي منصب عالي فهو منزه من كل الأخطاء وكل ما يقوم به أو يقرره يخدم الصالح العام وصالح المجتمع والأمة حتى ولو كان خيانة للأمانة أو إهدار للمال او نشر للفتنة والعداوات بين الناس، لاشباع غريزة التسلط، ونشوة الاستعلاء على عقول الآخرين
   فلمصلحة من هذه الحروب المشتعلة في كل بلداننا العربية والاسلامية من طانجا إلى جاكرتا؟
 ومتى تعلوا المصالح العليا لآمتنا على حساب المصالح الضيقة للجماعات والأحزاب والدول القطرية؟ 
 ومتى يرقى تفكير الكثير من السياسيين والمفكرين والمنظرين للجماعات والأحزاب في الوطن العربي إلى مستوى إدراك مثل كل هذه الأخطار على 
الأمن القومي العربي و الاسلامي؟
 ومتى نتحرر نحن كمسلمين من هذه الأصنام الجديدة(صنم المذهب وصنم الجماعة وصنم الحزب وصنم الطائفة) التي صنعتها لنا وسائل الاعلام 
العربية والغربية لنتعامل كمسلمين منتمين إلى دين واحد ؟
 لمصلحة من مثل هذه الثقافة التخويفية من الآخرين الذين نختلف معهم في التفكير والفهم للدين والأمور السياسية؟
 ومتى نستفيد من التجربة الآوروبية في تجاوز خلافاتها التاريخية والدينية والمذهبية ونؤسس مفهوما جديدا للأمن القومي العربي و الاسلامي يضمن لنا الوجود والاستمرارية بين الأمم نستطيع من خلاله فرض كلمتنا في الأحداث الدولية ولنحافظ على ثرواتنا لخمدمة المشاريع التنموية لمجتمعاتنا للخروج من الفقر والتخلف والتبعية في كل  المستويات؟
إنها أسئلة تحتاج إلى تجنيد كل المختصين والمفكرين و الاعلاميين ورجال الدين والثقافة لوضع إستراتيجية علمية لمواجهة كل الأخطار التي تهدد أمننا القومي والفكري وانتماؤنا الحضاري لتحصين مجتمعاتنا من كل الحروب والاختراقات الفكرية المتطرفة والدخيلة.
   فكم نحن في حاجة إلى عمل نفسي بيداغوجي واجتماعي على مستوى الاسرة والمدرسة والاعلام والخطاب الرسمي والشعبي والمسجدي والمؤسساتي ليساهم في تغيير الكثير من تصوراتنا وتفكيرنا لنكون اكثر انفتاح على بعضنا البعض و أكثر قبولا لآراء وأفكار واقتراحات بعضنا البعض، لنتعلم فن العيش مع بعضنا البعض في أمن وسلام وفن التحضر الذي يرقى بنا إلى مصاف الأمم المتقدمة.            
                                                      الدكتور خالد عبد السلام قسم علم النفس جامعة سطيف2


Aucun commentaire: